|
كانت سرية سيف البحر أولى السرايا التي عقد لواءها رسول صلى الله عليه وسلم ، لمواجهة قريش ومنعها مما تنوي القيام به من محاصرة الدعوة ، وتضييق الخناق عليها ، وقد تحدثنا عن تلك السرية في مقال سابق ، وفي مقالنا هذا نتابع الحديث عن بعض السرايا الأخرى التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمتابعة تحركات قريش ونشاطاتها ، فمن تلك السرايا التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
1- سرية رابغ وكانت في شوال من السنة الأولى للهجرة ، بقيادة عبيدة بن الحارث بن المطلب ، وكان عدد المسلمين فيها نحو ستين رجلاً من المهاجرين ليس فيهم أنصاري ، فالتقوا بأبي سفيان وهو في مائتين على بطن رابغ ، وترامى الفريقان بالنبل ، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله ، وانفضّ الفريقان بعد ذلك من غير قتال .
2- سرية الخرار وقعت في ذي القعدة من السنة الأولى للهجرة ، وتتكون هذه السرية من عشرين راكباً بقيادة سعد بن أبي وقاص ، بهدف اعتراض عيرٍ لقريش ، فخرجوا مشاة يكمنون بالنهار ، ويسيرون بالليل حتى وصلوا الخرَّار وهو موضع قرب الجحفة ، فوجدوا العير قد مرت .
3- سرية نخلة وكانت في رجب من السنة الثانية للهجرة ، وتتكون من اثني عشر رجلاً من المهاجرين بقيادة عبدالله بن جحش الأسدي ، وقد أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً ، وأمره ألا يقرأه إلا بعد مسيرة يومين ، وتضمن الكتاب الأمر بالمُضِّي حتى وصول نخلة بين مكة والطائف ، ثم القيام برصد عيرٍ لقريش ، فساروا حتى بلغوا المكان ، فمرت العير تحمل زبيباً ، وأُدْماً ، وتجارة ، فلحق بها المسلمون حتى أدركوها في آخر يوم من رجب وهو من الأشهر الحرم ، فقتلوا ناساً من القافلة ، ولاذ البعض بالفرار ، وعادت السرية بالعير وأسيرين إلى المدينة ، فعاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتالهم في الشهر الحرام ، واستغل المشركون الحادثة ، وتحدثوا أن المسلمين قد انتهكوا الأشهر الحرم ، ثم نزل القرآن حاسماً للموقف بأنّ ما يقوم به المشركون من الصد عن دين الله ، وعن المسجد الحرام ، وإيذاء المؤمنين ، والشرك بالله ، أشد حرمة من القتال في الأشهر الحرم ، قال تعالى : { يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }(البقرة:217). بعد ذلك أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراح الأسيرين ، ودفع دية المقتول إلى أوليائه .
إنّ من النتائج المترتبة على إرسال تلك السرايا والبعوث أنَّ قريشاً أدركت أنّ جانب المسلمين أصبح من المنعة بمكان ، وأنّ طريق تجارتها كذلك أصبح مهدداً من قِبَل المسلمين ، وأنّ عليها أن تفيء إلى رشدها وتذعن لأمر ربها ، أو على الأقل تمتنع من الوقوف في وجه تلك الدعوة المباركة الآخذة في الانتشار والقبول ، هذا على صعيد جانب قريش .
أما على صعيد المؤمنين فإنّ تلك السرايا والبعوث قد زادتهم يقيناً بنصر الله ، وثباتاً على الحق ، واعتقاداً بأن العاقبة للمتقين ، كيف لا وقد بشرهم الله بذلك عندما قال : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَََرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور:55) ، وقال تعالى : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }(الحج: من الآية40) . وفقنا الله لنصرة دينه ، والثبات عليه ، إنّه ولي المؤمنين والحمد لله رب العالمين. |
|