د. ياسر عباس محجوب
صحة أجسادنا في مفهوم الطب الشمولى
نحن لا نعرف قيمة ما تعنيه لنا صحتنا الا عندما نفقدها ، و عندها فقط نعرف بأننا فقدنا شيئا لأ يقدر بثمن، لأن بدونها لا نستطيع أن نعيش حياة سوية.ان مفهوم الصحة أعمق بكثير من أن نكون معافيين من الناحية البدنية . انها ذلك التناغم بين اعضاءنا و عقلنا و عواطفنا، و هي التى في نهاية المطاف تمييز وجودنا و مدى تفاعلنا و توازننا مع الوسط الذي نعيش فيه.
ان الطب الشمولي يعتمد على فلسفة اتحاد و تناغم الجسم و العقل و الروح بحيث يكون الجسم في حالة توازن كامل مع ذاته و مع الطبيعة . و يعطي الطب الشمولي اهتمام خاص للتعامل مع كل مريض على حدة ، أكثر من كونه يتعامل مع مكافحة أو علاج أعراض المرض، و الطب الشمولي يتعامل مع كل انسان على اساس أنه كائن فريد له خصوصيته دون نسيان ما يمكن ان تلعبه الطبيعة, و وسطه المحيط الذي يعيش فيه في اداء وظائف جسمه بشكل سليم و متناسق. و من هذا المنطلق نستطيع ان نفهم كيفية حدوث بعض الاضطرابات و الاعراض الصحية، و على سبيل المثال هنالك الكثير من الناس يصيرون عرضه للقلق و العصبية الزائدة مع الوقت بسبب ضغوط العمل. و يؤدي هذا النوع من القلق و الضغوط النفسية الى ظهور أعراض صحية مختلفة تتباين من شخص الي آخر في شكل اضطرابات في عمليات هضم الطعام، نوبات صداع،آلام في المعدة...الخ. و هذا الشئ يمكن ان نلاحظه بكثرة في بلاد المهجر و ذلك لايقاع الحياة السريع و لعدم القدرة على تناول الوجبات الغذائية في اوقات منتظمة بسبب طبيعة ما نقوم به من اعمال مختلفة.
و بنفس القدر اذا كنت مريضا بمرض عضوي، فمع الوقت يمكن أن يؤثر هذا على صحتك النفسية، و ينعكس هذا في شكل اكتئاب، و احباط، و سرعة تهيج. و من الواضح تماما أن نوعية الأكل الذي نتناوله، و الهواء الذي نتنفسه، و ما نمارسه من رياضة، بالاضافة الى طبيعة مزاجنا. كل هذا يترك بصمات واضحة على صحتنا. ان هذا النوع من التفاعل يؤثر ليس فقط على كينونتنا، و لكن ايضا على نوع العمليات البيوكيميائية التى تحدث في داخل اجسامنا، و على تركيبته، و حتى على أنظمة الجسم النفس-اجتماعية (Psycho-social Systems)
و لحسن الحظ ، فان اجسامنا مجهزة بأنظمة تستطيع أن تواجه كل التحديات بصورة دائمة، و ذلك للمحافظة على توازن الجسم الداخلي أو ما يسمى "Homeostasis" ، و للقيام بهذه المهام على أكمل وجه، فان الجسم يقوم بحشد كل المصادر الحيوية , و توجهها الى : العمليات البيوكيميائية التى تمده بالطاقة، و الى النظام المسؤول عن دعم اعضاء و أنظمة الجسم و هو ما يسمى " Structural Realm"، و النظام النفس-اجتماعي و الذي يتحكم في رغباته، و أفعاله، و عواطفه، و طريقة تفكيره.
ان هدف العلاج الشمولي (Holistic Medicine) يكمن في تحفيز الجسم نحو ما يسمى بالعلاج الذاتي المتأصل في طبيعة تكوين الجسم . و يرى أخصائي العلاج الشمولي بأن العقل و الجسم يميلون دوما نحو نحو حالة من التوازن الطبيعي و المحافظة على هذا النوع من العلاقة و تعزيزها بينهما، بالاضافة الى ذلك فان دور الطبيب الشمولي يكمن في كونه يقوم بمساعدتنا في تقييم مظاهر حياتنا المختلفة، و التى على ضوءها يمكن تحسين أو قمع نشاط العمليات الحيوية المختلفة ، و كنتيجة لذلك يحدث التوازن و الانسجام لأجسامنا و لحياتنا. و يتم تنفيذ هذا عن طريق اولا الأخذ في الحسبان أهمية التحدث مع المرضى و ليس فقط التحدث معهم عن عللهم دون نسيان خصوصية كل مريض و نوعية الحياة التى يعيشها مع اسرته، و ما يحبه و يكره المريض، نوعية طعامه، قدرة المريض على التفاعل مع المواقف المختلفة بما فيها تلك التى يمكن ان تسبب آلام عضوية أو نفسية...الخ.
لتأكيد التشخيص من ناحية أخرى يمكن اضافة وسائل فاعلة أخرى ، و كمثال لذلك التشخيص عن طريق قزحية العين (Iridology) و الذي يضفي نوع من الخصوصية المطلقة عند التشخيص عن طريق قزحية كل مريض على حدة. و التشخيص بهذه الطريقة تساعد كثيرا في عمل تقييم شامل لكل الجسم، و مدى استعداده للاصابة بالأمراض، و ما كان عليه وضعه في السابق، و طبيعة جسمه بشكل عام. و هذا النوع من التشخيص يمكن ان يعطي كذلك معلومات قيمة ليس فقط عن العمليات البيوكيميائية ، و لكن ايضا العاطفية، و حتى المميزات الشخصية للمريض. و قزحية العين هي بمثابة "شبابيك" يمكن من خلالها معرفة ما يحدث داخل أجسامنا، و هي كذلك عبارة عن خريطة لكل أعضاء الجسم. و عندما يتم اكتشاف وجود بعض الأشكال الشاذة في قزحية العين فان ذلك يقابله اضطراب في مكان آخر من الجسم . و بتغيير نمط حياتنا من خلال ما نأكله، و ما نمارسه من رياضة كاليوغا مثلا ،و استخدام العلاجات العشبية، و القيام بعمليات تنظيف الجسم من السموم الداخلية، بالاضافة الى غسيل الأمعاء بالماء (Colon Hydro-Therapy) ، و الوخز بالابر، و العلاج المغناطيسي كلها مجتمعة تساعد في أن تحل الخطوط البيضاء محل الخطوط السوداء في قزحية عين المريض مما يعنى أن العلاج يسير بطريقة سليمة و صحيحة.
و المعروف أن أعراض معظم الأمراض المعروفة تؤدي الى تغييرات في أنسجة الجسم ، كنتيجة لعدم التوازن الكيميائي، و تراكم السموم، و نقص تروية الأعضاء بالدم....الخ. و لفهم آلية تطور الأمراض لأبد لنا في البداية من فهم ما الذي يحدث في أعضاءنا، و الجهاز العصبي، و الدم، و الغدد، و ذلك لفهم أكثر عمقا للتغييرات التى تؤدي الى تأجج المرض و طريقة حدوثه. و من كل هذه المنطلقات فان التشخيص بواسطة قزحية العين يلعب دورا مهما في عمليات التقييم الأولية لتحديد أنجع الطرق العلاجية الخاصة بكل مريض . و عند الضرورة يمكن أن يحتاج أخصائيي العلاج الشمولي لبعض الفحوصات الاضافية ، و لا يقوموا باعطاء اي نوع من أنواع العلاجات التقليدية التى تساعد في قمع أعراض المرض فقط ، و لكن الطبيب المعالج يقوم في نفس الأثناء بعمل برنامج متكامل حتى يتمكن الجسم في تجنيد قدراته الداخلية في عمليات العلاج الذاتي وصولا الى أعلى درجات الصحة بالنسبة للجسم المريض.
و يرتكز الطب الشمولي ليس فقط على عمليات تخليص الجسم من السموم الضارة المختلفة المنشأ (بغسيل الأمعاء مثلا) ، و لكنه يعمل كذلك على تقوية العمليات الحيوية في داخل الجسم، و زيادة قدرته على مقاومة الأمراض. ان هذا النوع من العلاجات الشمولية يتطلب بأن يكون هنالك نوع خاص من الأغذية التى تناسب طبيعة كل جسم مريض، و خصوصية عمليات التمثيل الغذائي و النظام الهرموني، بالاضافة الى اجراء العلاجات الأخرى التى يمكن ان تشمل العلاج الطبيعي، و التدليك العلاجي، و العلاج باليوغا. فمثلا اذا كان المريض يعاني من اضطرابات في الجهازالهضمي ، فيمكن أن يوصف له بعض العلاجات العشبية التى تدفع جسمه نحو العلاج الذاتي، و لكن تغيير أسلوب حياة هذا المريض لأبد منه، و ذلك على اعتبار أن الغذاء يلعب الدور الأساسي في اضطرابات الهضم، و من هنا ربما يتطلب ذلك عمل بعض التغييرات في نمط الغذاء مع عمل التمرينات الرياضية. أما فيما يخص دور العلاج باليوغا ، و علاج " تي-شي-Tai-Chi" فهما من الأشكال الرياضية المرتبطة بالعلاج الشمولي لأنهما لا يساعدان فقط جسديا، و لكنهما يساعدان كذلك في عمليات التوازن العقلي و العاطفي، و عادة ما تكون الضغوط النفسية و الانفعالات هي من بين السباب الرئيسة لاضطرابات عمليات الهضم. اضافة الى ذلك فان العلاج بالاعشاب الصينية ، و الوخز بالابر، و التدليك بنظام الايورفيدا، هي كذلك من العلاجات الاضافية في نظام العلاج الشمولي و عياداته.
ان العلاج الطبيعي و الشمولي يساعدان في علاج الحالات الحادة ، و التخفيف من الحالات المزمنة، و الوقاية منها، و المحافظة على الصحة بشكل عام، و يمكن ان تكون هذه الطرق العلاجية مفيدة ليس فقط للمريض وحده ، و لكن لاسرته ايضا بحيث تساعد الأفراد على الحياة بصحة و عافية و التأقلم معها، رغم التغييرات المتواصلة في ايقاع الحياة السريع الذي نعيشه اليوم.
د. في علوم البيوكيمياء و متخصص في مجال الأحياء الجزيئية
. |