|
تروي كتب السيرة التي بين أيدينا اليوم -
قديمها وحديثها - أن رسول الله (ص)، حينما جمع أصحابه وطلب مشورتهم ورأيهم في
قتال المشركين، لم يترددوا في الاختيار، وأجمعوا على المواجهة، لم ترهبهم عدة
المشركين ولا عددهم، أو على الأقل هكذا يفهم من روايات تلك الكتب.
وهذا في الحقيقة مخالف تماماً لما ورد في
آيات القرآن الكريم عن تلك الغزوة، ومخالف أيضاً للنزعة البشرية في مثل هذا
الموقف.
ونحن إذا أعدنا تلاوة الآيات التي تتحدث عن
أحداث غزوة بدر، وأمعنا النظر فيها، تتضح لنا حقيقة مواقف المهاجرين
والأنصار، ما خفي منها في ضمائرهم، وما ظهر على ألسنتهم.
لقد كان فريق من المؤمنين كارهين للقتال
كرهاً شديداً، ولقد جادلوا النبي (ص) - كما يقول القرآن - جدالاً غير قصير،
مظهرين خوفهم من قريش وقوتها، وعدم استعدادهم - لا عسكرياً ولا نفسياً -
للقتال والمواجهة، مدافعين عن وجهة نظرهم بقوة، كأنما يساقون إلى الموت وهم
ينظرون.
ولقد بين لهم الرسول (ص)، أن الله تعالى قد
وعده إحدى الطائفتين - إما الفوز بالعير وما تحمل على ظهورها من بضائع
وأموال، وإما النصر على النفير وما ينتج عن ذلك من رفع معنويات المؤمنين،
وكسر جبروت المشركين - وإذ فاتتهم العير ونجا أبو سفيان بالقافلة، فلا بد إذن
أن الوعد الإلهي منصب على النصر في المواجهة مع الذين نفروا من قريش لاستنقاذ
القافلة، فلما علموا بنجاتها أصروا على التحدي، وصمموا على مواجهة المؤمنين،
في حرب كل الظواهر السطحية تؤكد أن الغلبة فيها ستكون لهم، وكان يقود هؤلاء
القطب الثاني للشرك وهو أبو جهل عمرو بن هشام.
لكن أصحاب رسول الله (ص) - أو البعض منهم على
الأصح - كانوا يؤثرون السلامة، ويودون الفوز بغير ذات الشوكة، أي بالعير التي
تحمل الأموال والتجارة، والتي لم يكن معها قوة مرهوبة قادرة على حمايتها،
ولقد أصر هؤلاء على موقفهم وعدم رغبتهم بقتال أصحاب الشوكة.
ويخطو الرسول الحكيم (ص) مع أصحابه هؤلاء
خطوة أخرى، فيخبرهم بوعد الله بمدد ملائكي، ويسألهم: ألن يكفيكم أن يمدكم
ربكم بثلاثة آلاف أو حتى خمسة آلاف من الملائكة؟! ويبين لهم النبي تبعاً
للقرآن الكريم، أن ذلك ليس إلا بشرى لهم بالنصر، وتطميناً لقلوبهم بهزيمة
الكفر، لينشطوا من عقال الخوف والهلع، ويتحرروا من ربقة الرعب والفزع، فيهبوا
إلى القتال، ويدخلوا المعركة بقلوب مطمئنة، وزنود قوية ثابتة، ليقطع الله بهم
دابر الكافرين، أو على الأقل، يكبتهم ويخيب آمالهم بالنصر، وظنونهم بالغلبة،
وبذلك يحق الله الحق ويبطل الباطل.
لقد كنت - في الحقيقة ولفترة طويلة - أقف
حيران أمام هذا التناقض الغريب بين حقائق الآيات وغوامض الروايات، بين ما
توحيه آيات القرآن وما تخفيه نصوص كتاب السّير النبوية، حتى وجدت في شرح نهج
البلاغة للعلامة المعتزلي عبد الحميد بن أبي الحديد، أن رواية الواقدي في
كتابه المغازي، تذكر أن رجلاً من المهاجرين، وقف في ذلك اليوم، يراجع النبي
(ص) ويجادله، ويحاول أن يثنيه عن القتال، ويحذر من قوة قريش وخيلائها، وأن
المسلمين لم يخرجوا للحرب، ولا اتخذوا لها أهبتها.
وقد ذكر الواقدي طرفاً مما قاله ذلك الرجل:
(يا رسول الله إنها قريش وغدرها، والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت،
ووالله لا تُسْلِمُ عزَّها أبداً،ولتقاتلنَّكَ فاتَّهِبْ لذلك أهبته، وأعِدَّ
لذلك عدته)
إنه تخويف وتخذيل في إهاب نصح ومشورة!. ومن
المؤكد أن رأي ذلك الرجل، يفصح عن آراء معظم المهاجرين، حيث قام منهم رجل آخر
فكرر ما قال الأول، وسكت الباقون.
اربدّ وجه رسول الله (ص) من مقالة هذين
الرجلين، وأعرض بوجهه عنهما مفسحاً المجال لأصحاب الآراء الأخرى، وهنا انبرى
المقداد (رضي الله عنه) يعبر عن قسم آخر من المهاجرين المندفعين لطاعة الله
ورسوله في كل الظروف، ومهما كانت الأحوال، قال المقداد بن عمرو: (يا رسول
الله، امض لأمر الله، فنحن معك) ، وانبرى سعد بن معاذ،
فأفصح عن موقف الأنصار، وقال: (امض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق
لو استعرضت بنا البحر، وخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وإنا لا نكره
أن نلقى عدونا غداً، وإنا لصُبُرٌ في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك
منا بعض ما تقر به عينك)
وحقاً قرت عين رسول الله (ص)، وتهلل وجهه
الشريف بالبشر لقول المقداد وقول سعد، وأسقط في يدي ذينك الرجلين وأيدي من
على شاكلتهما، وصدر الأمر من الرسول، واندفع المسلمون - مهاجرين وأنصاراً -
وكانت غزوة بدر الكبرى، وكان النصر المؤزر للمسلمين، والهزيمة الكبرى
للمشركين، تماماً كما وعد الله ورسوله.
بهذا تكون الصورة قد وضحت تماماً، وأزيل
اللبس، وفهمنا الموقف على حقيقته. ولا يهمنا من هما الرجلان اللذان أراد
كتّاب السير - تبعاً لرغبة حكام وملوك أزمانهم - أن يخفوا اسميهما، ولكن يبقى
أمامنا أن نقول تعقيباً على ما مر:
إن من الغريب حقاً أن يلجأ كتاب التاريخ،
ومؤلفو السير النبوية إلى الإسقاط والزيادة، والتزوير والتحريف، والتقديم
والتأخير، باسم التهذيب والتشذيب تارة، والتقويم والتصويب تارة أخرى،
والاختصار والإيجاز تارة ثالثة، وفات هؤلاء أن القرآن الكريم المعصوم عن
الزيادة والنقص، المحفوظ من التزوير والتحريف، سيكشف سقطتهم ويفضح خطلهم وخطأ
منهجهم، وفاتهم - وهو الأهم - أن الأفضل لأجيال المسلمين أن يعرفوا وقائع
التاريخ كما هي، وأن من حقهم أن يقرأوا أحداثه بلا تزويق ولا تجميل، لتكون
العبرة الكاملة، ويكون الدرس بليغاً ومفيداً، وأنه لا ضير على رجال أن
تتملكهم في حال من الأحوال أو ظرف من الظروف نوازع بشرية معينة، فالبشر
دائماً هم البشر بجميع دوافعهم ونوازعهم، الظاهرة والمستترة، وأن النصح
للأجيال خير وأهم من ستر أحوال الرجال، وتلبيس الحوادث بما يدفع إلى تأويل
التنزيل ليتناسب مع المواقف.
إذن، لقد كان موقف بعض أصحاب رسول الله (ص)
متخاذلاً مخذلاً، وبصبر رسول الله وحكمته، وبالتشاور والحث والتحريض
والتشجيع، واستنطاق آراء الآخرين، تكامل الموقف عند المسلمين الأوائل،
واستطاعوا التغلب على بعض مخاوفهم وهواجسهم، ونوازعهم ودوافعهم، وتمكنوا من
الاستجابة لأمر الله ورسوله والاندفاع في معركة، ليس فيها - ظاهراً - أي نوع
من التكافؤ والتوازن، متسلحين بالإيمان بالله ورسوله، واثقين بالنصر... وكانت
معركة بدر التي قضت على كبرياء قريش وخيلائها وعزها الموهوم، ومحت من الأذهان
أسطورة القوة المادية الغاشمة، وترادُفِ الرجال وتراكُمِ السلاح، وأفسحت
المجال لظاهرة الإمداد الغيبي، وهكذا كانت معركة بدر - رغم تخاذل المتخاذلين
وتخذيل المخذلين - منطلقاً لقوة الإيمان الذي أبرز البطولات المعجزة،
والتضحيات بلا حدود، وكان لذلك النصر المؤزر أثره الحاسم في كل ما جاء بعد
تلك المعركة من غزوات وحروب.
وما أشبه اليوم بالبارحة، والحال هو الحال،
والمخذلون والمتخاذلون كثر، وأول الطريق خطوة، ثم يأتي المدد ويكون النصر
بإذن الله. |