أضف الموقع للمفضلة

وكالات الأنباء

اللهم اجعل القرآءن العظيم نور هدايتنا من الضلال      واجعل دلالته فى قلوبنا      وسارية منه إلى الأعضاء بحسن الأعمال      ونور به قلوبنا وسائر ابداننا      ليجررى عليه حسن الأفعال      ولا تزغ بنا عن دلالنه      والتخلّق منه بما خلقت به      سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم       واجعل به قوامنا ،      أحسن به ختامنا،      وأزل به ظلامنا،      ونبّه به نيامنا،      واسر بنوره فى أجسامنا      حتى لا نرجع من تيقظك به إلى منامنا،      يا من توليت إنعامنا وإكرمنا،      ووفقنا على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار      فنرتله ترتيلاً مراعين فيه عظمبك وهيبة كلامك،       مع التنور منه بأحسن الأنوار،      وأهّلنا لتحمل أثقاله      بالنور الذى أهّلت به لتحمل أثقاله سيّد الأخيار،      حتى اتصل بالرفيق الأعلى وزهد هذه الدار،      وما فيها من الأغيار،      ياملك يارحيم ياغفار،      تولّ صلاحنا وتربيتنا      للتأهل للقائك الذى تقْصُر عن عظمته عظمته الأفكار،      وشوقنا إليك شوق المقرّبين المصطفَيْنَ الأخيا،      مع التحقق بالمعرفة الكاملة      التى خصصت بها أهل الخصوصيّة      الذين جذبتهم إليك بأعظم الأنوار،      وضاعفْ حبنا لك،      وأمطِر فى قلوبنا كامل المحبّة المكتنفة      بتولّيك وحفظك      فى كل لمحة وطرفة من ساعات الليل وانهار،      آمين ياربّ العالمين      استجب لنا ماطلبناه منك      كما عرفتنا وجه الطلب لك به،      وألهمتنا إيّاه من غير اقتران به،      سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنّا له مقرنين      وإنا إلى ربّنا لمنقلبون      فلا بردّنا من سؤالك خائبين يا أرحم الراحمين

تعــريف الزكــاة

شروط الزكاة

زكاة النقود والذهب

مصارف الزكاة

زكاة الزروع

احكام القــرآن

الإستماع للقرآن الكريم

من عجائب القرآن الكريم

الخطـب الدينية

عبدالحميد كشك

SudanJabalab.com

       Full searcher designed by Dhafer Al-holaisi

 

موقع سـودان جـبلاب يرحب بكم.....Welcom to SudanJabalab Site


فقه السنة تأليف السيد السابق
   



بسم الله الرحمن الرحيم

( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) قرآن كريم : المجلد الاول الاجزاء الاول والثاني والثالث والرابع والخامس


   


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين . والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الاولين والاخرين ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ) .
- فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 450 : صيام محرم ، وتأكيد صوم عاشوراء ويوما قبلها ، ويوما بعدها : 1 - عن أبي هريرة قال ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟ قال : " الصلاة في جوف الليل " . قيل : ثم أي الصيام أفضل بعد رمضان ؟ قال : " شهر الله ( 2 ) الذي تدعونه المحرم " رواه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود . ( هامش ) ( 1 ) أي من ذي الحجة . ( 2 ) الاضافة للتشريف . ( . ) / صفحة 451 / 2 - عن معاوية بن أبي سفيان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب عليكم صيامه ، وأنا صائم ، فمن شاء صام ، ومن شاء فليفطر " متفق عليه . 3 - عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش ، في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه ، وأمر الناس بصيامه . فلما فرض رمضان قال : " من شاء صامه ومن شاء تركه " . متفق عليه . 4 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء . فقال : " ما هذا ؟ " قالوا : يوم صالح ، نجى الله فيه موسى . وبني السرائيل من عدوهم ، فصامه موسى فقال صلى الله عليه وسلم : " أنا أحق بموسى منكم " فصامه ، وأمر بصيامه . متفق عليه . 5 - عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال : كان يوم عاشوراء ، تعظمه اليهود ، وتتخذه عيدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صوموه أنتم " متفق عليه . 6 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء ، وأمر بصيامه ، قالوا يا رسول الله : إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى . . فقال : " إذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع " ، قال : فلم يأت العام المقبل ، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم ، وأبو داود . وفي لفظ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع " : يعني مع يوم عاشوراء . رواه أحمد ومسلم . وقد ذكر العلماء : أن صيام يوم عاشوراء على ثلاث مراتب : المرتبة الاولى : صوم ثلاثة أيام : التاسع ، والعاشر ، والحادي عشر . المرتبة الثانية : صوم التاسع ، والعاشر . المرتبة الثالثة : صوم العاشر وحده . / صفحة 452 / التوسعة يوم عاشوراء : عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من وسع على نفسه ، وأهله يوم عاشوراء ، وسع الله عليه سائر سنته " . رواه البيهقي في الشعب ، وابن عبد البر . وللحديث طرق أخرى ، كلها ضعيفة . ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض ، ازدادت قوة : كما قال السخاوي . صيام أكثر شعبان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم أكثر شعبان . قالت عائشة : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط ، إلا شهر رمضان ، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان . رواه البخاري ، ومسلم . وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قلت : يا رسول الله ، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال : " ذلك شهر يغفل الناس عنه ، بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الاعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم " . رواه أبو داود ، والنسائي وصححه ابن خزيمة . وتخصيص صوم يوم النصف منه ظنا أن له فضيلة على غيره ، مما لم يأت به دليل صحيح . صوم الاشهر الحرم : الاشهر الحرم ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ويستحب الاكثار من الصيام فيها . فعن رجل من باهلة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله . أنا الرجل الذي جئتك عام الاول ، فقال : " فما غيرك ، وقد كنت حسن الهيئة ؟ " قال : ما أكلت طعاما إلا بليل منذ فارقتك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " لم عذبت نفسك ؟ " ثم قال : " صم شهر الصبر ، / صفحة 453 / ويوما من كل شهر " . قال : زدني ، فإن بي قوة . قال : " صم يومين " . قال : زدني . قال : " صم من الحرم واترك . صم من الحرم واترك . صم من الحرم واترك " وقال بأصابعه الثلاثة ، فضمها ، ثم أرسلها ( 1 ) . رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه والبيهقي ، بسند جيد . وصيام رجب ، ليس له فضل زائد على غيره من الشهور ، إلا أنه من الاشهر الحرم . ولم يرد في السنة الصحيحة : أن للصيام فيه فضيلة بخصوصه ، وأن ما جاء في ذلك مما لا ينتهض للاحتجاج به . قال ابن حجر . لم يرد في فضله ، ولا في صيامه ، ولا في صيام شئ منه معين ، ولا في قيام ليلة مخصوصة منه ، حديث صحيح يصلح للحجة . صوم يومي الاثنين والخميس : عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الاثنين ، والخميس ، فقيل له ( 2 ) فقال : " إن الاعمال تعرض كل اثنين وخميس ، فيغفر الله لكل مسلم ، أو لكل مؤمن ، إلا المتهاجرين ، فيقول : أخرهما " رواه أحمد ، بسند صحيح . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 453 : وفي صحيح مسلم : أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين ؟ فقال : " ذاك يوم ولدت فيه ، وأنزل علي فيه " أي نزل الوحي علي فيه صيام ثلاثة أيام ، من كل شهر : قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام ، البيض : ثلاث عشرة ، وأربع عشرة ، وخمس عشرة . وقال : هي " كصوم الدهر " رواه النسائي ، وصححه ابن حبان . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم : أنه كان يصوم من الشهر ، السبت ( هامش ) ( 1 ) " أرسلها " أي أشار إليه بصيام ثلاثة أيام وفط ثلاثة أخرى . ( 2 ) " فقيل له " " أي سئل عن الباعث على صوم يومي الخميس ، والاثنين . ( . ) / صفحة 454 / والاحد ، والاثنين ، ومن الشهر الاخر ، الثلاثاء ، والاربعاء ، والخميس ، وأنه كان يصوم من غرة كل هلال ، ثلاثة أيام ، وأنه كان يصوم . الخميس ، من أول الشهر ، والاثنين الذي يليه ، والاثنين الذي يليه . صيام يوم وفطر يوم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو قال ، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد أخبرت أنك تقوم الليل وتصوم النهار " قال : قلت : يا رسول الله نعم ، قال : " فصم ، وافطر ، وصل ، ونم ، فإن لجسدك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا ، وإن لزورك ( 1 ) عليك حقا ، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام . " قال : فشددت فشدد علي . قال : فقلت ، يا رسول الله إني أجده قوة . قال : " فصم من كل جمعة ثلاثة أيام . " قال فشددت فشدد علي . قال فقلت : يا رسول الله إني أجد قوة . قال : " صم صوم نبي الله داود ، ولا تزد عليه " . قلت : يا رسول الله . وما كان صيام داود عليه الصلاة والسلام ؟ قال : كان يصوم يوما ، ويفطر يوما " . رواه أحمد ، وغيره . وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحب الصيام إلى الله صيام داود ، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، كان ينام نصفه ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ، ويفطر يوما " . جواز فطر الصائم المتطوع 1 - عن أم هانئ رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الفتح ، فأتي بشراب ، فشرب ، ثم ناولني ، فقلت . إني صائمة فقال : " إن المتطوع أمير على نفسه ، فإن شئت فصومي ، وإن شئت فأفطري . " رواه أحمد والدارقطني ، والبيهقي . ورواه الحاكم وقال صحيح الاسناد . ولفظه : " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام ، وإن شاء أفطر . " ( هامش ) ( 1 ) " زورك " أي ضيفك . ( . ) / صفحة 455 / وعن أبي جحيفة قال : آخى النبي صلى الله عليه وسلم ، بين سلمان ، وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة ، فقال لها : ما شأنك ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ، ليس له حاجة في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء ، فصنع له طعاما ، فقال : كل فإني صائم ، فقال : ما أنا بآكل حتى تأكل ، فأكل ، فلما كان الليل ، وذهب أبو الدرداء يقوم قال : نم ، فنام ، ثم ذهب . فقال : نم ، فلما كان في آخر الليل ، قال : قم الان ، فصليا ، فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولاهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان . رواه البخاري ، والترمذي . 3 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ، فأتاني هو وأصحابه ، فلما وضع الطعام ، قال رجل من القوم : إني صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعاكم أخوكم وتكلف لكم " ثم قال : " أفطر ، وصم يوما مكانه ، إن شئت " . رواه البيهقي بإسناد حسن ، كما قال الحافظ . وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الفطر ، لمن صام متطوعا ، واسحبوا له قضاء ذلك اليوم ، استدلالا بهذه الاحاديث الصحيحة الصريحة . آداب الصيام يستحب للصائم أن يراعي في صيامه الاداب الاتية : ( 1 ) السحور : وقد أجمعت الامة على استحبابه ، وأنه لا إثم على من تركه ، فعن أنس رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تسحروا فإن في السحور ( 1 ) بركة " . رواه البخاري ، ومسلم . وعن المقدام بن معد يكرب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم ( هامش ) ( 1 ) السحور بالفتح المأكول ، وبالضم المصدر والفعل . ( . ) / صفحة 456 / بهذا السحور ، فإنه هو الغذاء المبارك " . رواه النسائي ، بسند جيد . وسبب البركة : أنه يقوي الصائم ، وينشطه ، ويهون عليه الصيام . بم يتحقق : ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله ، ولو بجرعة ماء . فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " السحور بركة ، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء ، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين " . رواه أحمد . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 456 : وقته : وقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر ، والمستحب تأخيره . فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قمنا إلى الصلاة ، قلت : كم كان قدر ما بينهما : ؟ قال : خمسين آية . رواه البخاري ، ومسلم . وعن عمرو بن ميمون قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطارا وأبطأهم سحورا . رواه البيهقي بسند صحيح . وعن أبي ذر الغفاري رضي الله مرفوعا : " لا تزال أمتي بخير ، ما عجلوا الفطر ، وأخروا السحور " . وفي سنده سليمان بن أبي عثمان ، وهو مجهول . الشك في طلوع الفجر : ولو شك في طلوع الفجر ، فله أن يأكل ، ويشرب ، حتى يستيقن طلوعه ، ولا يعمل بالشك ، فإن الله عزوجل جعل نهاية الاكل والشرب التبين نفسه ، لا الشك ، فقال : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر " . وقال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : إني أتسحر فإذا شككت أمسكت ، فقال ابن عباس : كل ، ما شككت حتى لا تشك . / صفحة 457 / وقال أبو داود ، قال أبو عبد الله ( 1 ) : " إذا شك في الفجر يأكل حى يستيقن طلوعه " . وهذا مذهب ابن عباس ، وعطاء ، والاوزاعي ، وأحمد . وقال النووي : وقد اتفق أصحاب الشافعي على جواز الاكل للشاك في طلوع الفجر . ( 2 ) تعجيل الفطر : ويستحب للصائم أن يعجل الفطر ، متى تحقق غروب الشمس . فعن سهل بن سعد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال الناس بخير ، ما عجلوا الفطر " . رواه البخاري ومسلم . وينبغي أن يكون الفطر على رطبات وترا ، فإن لم يجد فعلى الماء . فعن أنس رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي ، فإن لم تكن فعلى تمرات ، فإن لم تكن ، حسا حسوات ( 2 ) من ماء " . رواه أبو داود ، والحاكم وصححه ، والترمذي وحسنه . وعن سليمان بن عامر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان أحدكم صائما ، فليفطر على التمر ، فإن لم يجد التمر فعلى الماء ، فإن الماء طهور " . رواه أحمد ، والترمذي ، وقال : حسن صحيح . وفي الحديث دليل على أنه يستحب الفطر قبل صلاة المغرب بهذه الكيفية ، فإذا صلى تناول حاجته من الطعام بد ذلك ، إلا إذا كان الطعام موجودا ، فإنه يبدأ به ، قال أنس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عشائكم " . رواه الشيخان . ( 3 ) الدعاء عند الفطر وأثناء الصيام : روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " . وكان عبد الله إذا أفطر ( هامش ) ( 1 ) هو أحمد بن حنبل . ( 2 ) " حسا " أي شرب . ( . ) / صفحة 458 / يقول : " اللهم إني أسألك - برحمتك التي وسعت كل شئ - أن تغفر لي " . وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : " ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الاجر إن شاء الله تعالى " . وروي مرسلا : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : " اللهم لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت " . وروى الترمذي - بسند حسن - أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ( 1 ) ، والامام العادل ، والمظلوم " . ( 4 ) الكف عما يتنافى مع الصيام : الصيام عبادة من أفضل القربات ، شرعه الله تعالى ليهذب النفس ، ويعودها الخير . فينبغي أن يتحفظ الصائم من الاعمال التي تخدش صومه ، حتى ينتفع بالصيام ، وتحصل له التقوى التي ذكرها الله في قوله : " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " . وليس الصيام مجرد إمساك عن الاكل والشرب ، وإنما هو إمساك عن الاكل ، والشرب ، وسائر ما نهى الله عنه . فعن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس الصيام من الاكل والشرب ، إنما الصيام من اللغو ، والرفث ، فإن سابك أحد ، أو جهل عليك ، فقل إني صائم ، إني صائم " . رواه ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم . وروى الجماعة - إلا مسلما - عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من لم يدع ( 2 ) قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ( 3 ) " . ( هامش ) ( 1 ) يستفاد منه استحباب الدعاء طول مدة الصيام . ( 2 ) " يدع " أي يترك . ( 3 ) أي ليس لله إرادة في قبول صيامه ، أي إن الله لا يقبل صيامه . ( . ) / صفحة 459 / وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر " . رواه النسائي ، وابن ماجه والحاكم ، وقال : صحيح على شرط البخاري . ( 5 ) السواك : ويستحب للصائم أن يتسوك أثناء الصيام ، ولا فرق بين أول النهار ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 459 : وآخره . قال الترمذي : " ولم ير الشافعي بالسواك ، أول النهار وآخره بأسا " . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتسوك ، وهو صائم . وتقدم ذلك في هذا الكتاب فليرجع إليه . ( 6 ) الجود ومدارسة القرآن : الجود ومدارسة القرآن مستحبان في كل وقت ، إلا أنهما آكد في رمضان . روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ( 1 ) . ( 7 ) الاجتهاد في العبادة في العشر الاواخر من رمضان : 1 - روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : " كان إذا دخل العشر الاواخر أحيى الليل ، وأيقظ أهله ، وشد المئزر " . وفي رواية لمسلم : " كان يجتهد في العشر الاواخر ما لا يجتهد في غيره " . 2 - وروى الترمذي وصححه ، عن علي رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الاواخر ، ويرفع المئزر " . ( هامش ) ( 1 ) أي في الاسراع والعموم . ( . ) / صفحة 460 / مباحات الصيام يباح في الصيام ما يأتي : 1 - نزول الماء والانغماس فيه : لما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أنه حدثه فقال : ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب على رأسه الماء وهو صائم ، من العطش أو من الحر . رواه أحمد ، ومالك ، وأبو داود ، بإسناد صحيح . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يصبح جنبا ، وهو صائم ، ثم يغتسل " . فإن دخل الماء في جوف الصائم من غير قصد قصومه صحيح . 2 - الاكتحال : والقطرة ونحوهما مما يدخل العين ، سواء أوجد طعمه في حلقه أم لم يجده ، لان العين ليست بمنفذ إلى الجوف . وعن أنس : " أنه كان يكتحل وهو صائم " . وإلى هذا ذهبت الشافعية ، وحكاه ابن المنذر ، عن عطاء ، والحسن ، والنخعي ، والاوزاعي ، وأبي حنيفة ، وأبي ثور . وروي عن ابن عمر ، وأنس وابن أبي أوفى من الصحابة . وهو مذهب داود . ولم يصح في هذا الباب شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال الترمذي . 3 - القبلة : لمن قدر على ضبط نفسه . فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ، ويباشر وهو صائم ( 1 ) ، وكان أملككم لاربه " . وعن عمر رضي الله عنه أنه قال : " هششت ( 2 ) يوما ، فقبلت وأنا صائم ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : صنعت اليوم أمرا عظيما ، قبلت وأنا صائم ، فقال رسول الله عليه وسلم : " أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت ( هامش ) ( 1 ) والمقصود المداعبة ( 2 ) " هششت " أي نشطت . ( . ) / صفحة 461 / صائم ؟ " قلت : لا بأس بذلك ؟ ، قال : " ففيم ( 1 ) " . قال ابن المنذر رخص في القبلة عمر وابن عباس وأبو هريرة وعائشة ، وعطاء ، والشعبي ، والحسن ، وأحمد ، وإسحاق . ومذهب الاحناف والشافعية : أنها تكره على من حركت شهوته ، ولا تكره لغيره ، لكن الاولى تركها . ولا فرق بين الشيخ والشاب في ذلك ، والاعتبار بتحريك الشهوة ، وخوف الانزال ، فإن حركت شهوة شاب ، أو شيخ قوي ، كرهت . وإن لم تحركها لشيخ أو شاب ضعيف ، لم تكره ، والاولى تركها . وسواء قبل الخد أو الفم أو غيرهما . وهكذا المباشرة باليد والمعانقة لهما حكم القبلة . 4 - الحقنة : مطلقا ، سواء أكانت للتغذية ، أم لغيرها ، وسواء أكانت في العروق ، أم تحت الجلد ، فإنها وإن وصلت إلى الجوف ، فإنها تصل إليه من غير المنفذ المعتاد . 5 - الحجامة ( 2 ) : فقد احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم ( 3 ) ، إلا إذا كانت تضعف الصائم فإنها تكره له ، قال ثابت البناني لانس : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، إلا من أجل الضعف . رواه البخاري وغيره . والفصد ( 4 ) مثل الحجامة في الحكم . 6 - المضمضة والاستنشاق : إلا أنه لا تكره المبالغة فيهما ، فعن لقيط ابن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإذا استنشقت فأبلغ ، إلا أن تكون صائما " . رواه أصحاب السنن . وقال الترمذي : حسن صحيح . وقد كره أهل العلم السعوط ( 5 ) للصائم ، ورأوه : أن ذلك يفطر ، وفي الحديث ما يقوي قولهم . ( هامش ) ( 1 ) " ففيم " أي ففيم السؤال . ( 2 ) " الحجامة " أخد الدم من الرأس . ( 3 ) رواه البخاري . ( 4 ) " الفصد " أي أخذ الدم من أي عضو . ( 5 ) " السعوط " أي وضع الدواء في الانف ( . ) / صفحة 462 / قال ابن قدامة : وإن تمضمض ، أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه ، من غير قصد ولا إسراف فلا شئ عليه ، وبه قال الاوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه ، وروي ذلك عن ابن عباس . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 462 : وقال مالك ، وأبو حنيفة : يفطر ، لانه أوصل الماء إلى جوفه ، ذاكرا لصومه ، فأفطر ، كما لو تعمد شربه . قال ابن قدامة - مرجحا الرأي الاول - ولنا أنه وصل الماء إلى حلقه ، من غير إسراف ولا قصد ، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه ( 1 ) وبهذا فارق المتعمد . 7 - وكذا يباح له ما لا يمكن الاحتراز عنه كبلع الريق وغبار الطريق ، وغربلة الدقيق والنخالة ونحو ذلك . وقال ابن عباس : لا بأس أن يذوق الطعام الخل ، والشئ يريد شراءه . وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم ، ورخص فيه إبراهيم . وأما مضغ العلك ( 2 ) فإنه مكروه ، إذا كان لا يتفتت منه أجزاء . وممن قال بكراهته : الشعبي ، والنخعي ، والاحناف ، الشافعي ، والحنابلة . ورخصت عائشة وعطاء في مضغه ، لانه لا يضل إلى الجوف ، فهو كالحصاة ، يضعها في فمه . هذا إذا لم تتحلل منه أجزاء ، فإن تحللت منه أجزاء ونزلت إلى الجوف ، أفطر . قال ابن تيمية : وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم . وقال : أما الكحل ، والحقنة ، وما يقطر في إحليله ، ومداواة المأمومة والجائفة ، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم ، فمنهم من لم يفطر بشئ من ذلك ، ومنهم من فطر بالجمع لا بالكحل ، ومنهم من فطر بالجميع ، لا بالتقطير ، ومنهم من لا يفطر بالكحل ، ولا بالتقطير ، ويفطر بما سوى ذلك . ( هامش ) ( 1 ) قال ابن عباس : دخول الذباب في حلق الصائم لا يفطر . ( 2 ) " العلك " أي اللبان . ( . ) / صفحة 463 / فإن الصيام من دين الاسلام ، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص ، والعام . فلو كانت هذه الامور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ، ويفسد الصوم بها ، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة ، وبلغوه الامة ، كما بلغوا سائر شرعه . فلما لم ينقل أحد من أهل العلم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، لا حديثا صحيحا ، ولا ضعيفا ، ولا مسندا ، ولا مرسلا علم أنه لم ينكر شيئا من ذلك . قال : فإذا كانت الاحكام التي تعم بها البلوى ، لابد ان يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولابد أن تنقل الامة ذلك . فمعلوم أن الكحل ، ونحوه لمما تعم به البلوى ، كماتعم بالدهن ، والاغتسال ، والبخور ، والطيب . فلو كان هذا مما يفطر ، لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما بين الافطار بغيره ، فلما لم يبين ذلك ، علم أنه من جنس الطيب ، والبخور ، والدهن . والبخور قد يتصاعد إلى الانف ويدخل في الدماغ ، وينعقد أجساما . والدهن يشربه البدن ، ويدخل إلى داخله ويتقوى به الانسان ، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة . فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطيبه ، وتبخره ، وادهانه ، وكذلك اكتحاله . وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجرح أحدهم ، إما في الجهاد ، وإما في غيره ، مأمومة ، وجائفة ، فلو كان هذا يفطر ، لبين لهم ذلك . فلما لم ينه الصائم عن ذلك ، علم أنه لم يجعله مفطرا . ثم قال : فإن الكحل لا يغذي البتة ، ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه ، لامن أنفه ، ولا من فمه . وكذلك الحقنة ( 1 ) لاتغذي ، بل تستفرغ ما في البدن ، كما لوشم شيئا من ( هامش ) ( 1 ) يقصد الحقنة الشرجية ، فإنها لا تفطر الصائم . ( . ) / صفحة 464 / المسهلات ، أو فزع فزعا ، أوجب استطلاق جوفه ، وهي لا تصل إلى المعدة . والدواء الذي يصل إلى المعدة ، في مداواة الجائفة ( 1 ) والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه . والله سبحانه قال : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( الصوم جنة ) ، وقال : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والصوم ) . فالصائم نهي عن الاكل والشرب ، لان ذلك سبب التقوى ، فترك الاكل والشراب الذي يولد الدم الكثير ، الذي يجري فيه الشيطان ، إنما يتولد من الغذاء ، لاعن حقنة ، ولا كحل ، ولا ما يقطر في الذكر ، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة " انتهى . 8 - ويباح للصائم ، أن يأكل ، ويشرب ، ويجامع ، حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر ، وفي فمه طعام ، وجب عليه أن يلفظه ، أو كان مجامعا وجب عليه أن ينزع . فإن لفظ أو نزع ، صح صومه ، وإن ابتلع ما في فمه من طعام ، مختارا ، أو استدام الجماع ، أفطر . روى البخاري ، ومسلم ، عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا ، واشربوا ، حتى يؤذن ابن أم مكتوم " . 9 - ويباح للصائم أن يصبح جنبا ، وتقدم حديث عائشة في ذلك . 10 - والحائض والنفساء إذا انقطع الدم من الليل ، جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح ، وأصبحتا صائمتين ، ثم عليهما أن تتطهرا للصلاة . ( هامش ) ( 1 ) " الجائفة " أي الجراحة التي تصل إلى الجوف " والمأمومة " أي الشجة في الرأس تصل إلى أم الدماغ ومداواتهما ليست تغذية . ( . ) / صفحة 465 / ما يبطل الصيام ما يبطل الصيام قسمان : ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 465 : 1 - ما يبطله ، ويوجب القضاء . 2 - وما يبطله ، ويوجب القضاء ، والكفارة . فأماما يبطله ، ويوجب القضاء فقط فهو ما يأتي : ( 1 و 2 ) الاكل ، والشرب عمدا : فإن أكل أو شرب ناسيا ، أو مخطئا ، أو مكرها ، فلا قضاء عليه ولا كفارة . فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نسي - وهو صائم - فأكل أو شرب ، فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه " . رواه الجماعة . وقال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم . وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق . وروى الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال - صحيح على شرط مسلم . عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أفطر في رمضان - ناسيا - فلا قضاء عليه ، ولا كفارة " . قال الحافظ ابن حجر : اسناده صحيح . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " . رواه ابن ماجه والطبراني والحاكم . ( 3 ) القئ عمدا : فإن غلبه القئ ، فلا قضاء عليه ولا كفارة . فعن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ذرعه ( 1 ) القئ ( هامش ) ( 1 ) " ذرعه " أي غلبه . ( . ) / صفحة 466 / فليس عليه قضاء ، ومن استقاء ( 1 ) عمدا فليقض " . رواه أحمد وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، والدارقطني ، والحاكم ، وصححه . قال الخطابي : لا أعلم خلافا بين أهل العلم ، في أن من ذرعه القئ ، فإنه لا قضاء عليه ، ولا في أن من استقاء عامدا ، فعليه القضاء . ( 4 ، 5 ) الحيض ، والنفاس ، ولو في اللحظة الاخيرة ، قبل غروب الشمس ، وهذا مما أجمع العلماء عليه . ( 6 ) الاستمناء ( 2 ) ، سواء ، أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه ، أو كان باليد ، فهذا يبطل الصوم ، ويوجب القضاء . فإن كان سببه مجرد النظر ، أو الفكر ، فإنه مثل الاحتلام نهارا في الصيام لا يبطل الصوم ، ولا يجب فيه شئ . وكذلك المذي ، لا يؤثر في الصوم ، قل ، أو كثر . ( 7 ) تناول ما لا يتغذى به ، من المنفذ المعتاد ، إلى الجوف ، مثل تعاطي الملح الكثير ، فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم . ( 8 ) ومن نوى الفطر - وهو صائم - بطل صومه ، وإن لم يتناول مفطرا . فإن النية ركن من أركان الصيام ، فإذا نقضها - قاصدا الفطر ومعتمدا له - انتقض صيامه لا محالة . ( 9 ) إذا أكل ، أو شرب ، أو جامع - ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر ، فظهر خلاف ذلك - فعليه القضاء ، عند جمهور العلماء ، ومنهم الائمة الاربعة . وذهب إسحاق ، وداود ، وابن حزم ، وعطاء ، وعروة ، والحسن البصري ، ومجاهد : إلى أن صومه صحيح ، ولاقضاء عليه . لقول الله تعالى : ( ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) . ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله وضع عن أمتي الخطأ الخ . . . " . وتقدم . ( هامش ) ( 1 ) " استقاء " أي تعمد القئ واستخرجه ، بثم ما يقيئه ، أو بإدخال يده . ( 2 ) " الاستمناء " أي تعمد إخراج المني بأي سبب من الاسباب . ( . ) / صفحة 467 / وروى عبد الرزاق قال : حدثنا معمر عن الاعمش ، عن زيد بن وهب قال : " أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب ، فرأيت عساسا ( 1 ) أخرجت من بيت حفصة فشربوا ثم طلعت الشمس من سحاب فكأن ذلك شق على الناس ، فقالوا : نقضي هذا اليوم ، فقال عمر : لم ؟ والله ما تجانفنا لاثم " ( 2 ) . وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت : أفطرنا يوما من رمضان ، في غيم ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم طلعت الشمس . قال ابن تيمية : وهذا يدل على شيئين : ( الاول ) : يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب ، فإنهم لم يفعلوا ذلك ، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابة - مع نبيهم - أعلم وأطوع لله ولرسوله ، ممن جاء بعدهم . ( والثاني ) : يدل على أنه لا يجب القضاء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء ، لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به . وأماما يبطله ويوجب القضاء ، والكفارة ، فهو الجماع ، لاغير ، عند الجمهور . فعن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : هلكت يا رسول الله ، قال : " وما أهلكك ؟ " قال : وقعت على امرأتي في رمضان . فقال : " هل تجد ما تعتق رقبة ؟ " قال : لا ، قال : " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين " ؟ قال : لا . قال : " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا " ؟ قال : لا . قال : ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق ( 3 ) فيه تمر ، فقال : " تصدق بهذا " . قال : فهل على أفقر منا ؟ فما بين لابتيها ( 4 ) ( هامش ) ( 1 ) " عساسا " أي أقداحا ضخاما ، قيل : إن القدح نحو ثمانية أرطال . ( 2 ) " ما تجانفنا " التجانف : الميل . أي لم نمل لارتكاب الاثم . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 467 : ( 3 ) " العرق " مكيال يسع 15 صاعا . ( 4 ) " لابتيها " جمع لاية . وهي الارض التي فيها حجارة سود . والمراد ما بين أطراف المدينة أفقر منا . ( . ) / صفحة 468 / أهل بيت أحوج إليه منا ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى بدت نواجذه ، وقال : " اذهب فأطعمه أهلك ( 1 ) " . رواه الجماعة . ومذهب الجمهور : أن المرأة ، والرجل سواء ، في وجوب الكفارة عليهما ما داما قد تعمدا الجماع ، مختارين ، في نهار رمضان ( 2 ) ناويين الصيام . فإن وقع الجماع نسيانا ، أو لم يكونا مختارين ، بان أكرها عليه ، أو لم يكونا ناويين الصيام ، فلا كفارة على واحد منهما . فإن أكرهت المرأة من الرجل ، أو كانت مفطرة لعذر وجبت الكفارة عليه دونها . ومذهب الشافعي : أنه لا كفارة على المرأة مطلقا ، لافي حالة الاختيار ، ولافي حالة الاكراه . وإنما يلزمها القضاء فقط . قال النووي : والاصح - على الجملة - وجوب كفارة واحدة عليه خاصة ، عن نفسه فقط ، وأنه لاشئ على المرأة ، ولا يلاقيها الوجوب ، لافه حتى مال مختص بالجماع ، فاختص به الرجل ، دون المرأة ، كالمهر . قال أبو داود : سنل أحمد ( 3 ) عمن أتى أهله في رمضان ، أعليها كفارة ؟ قال : ما سمعنا أن على امرأة كفارة . قال في المغني : ووجه ذلك : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة ، ولم يأمر في المرأة بشئ ، مع علمه بوجود ذلك منها " اه‍ . والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث ، في قول جمهور العلماء . فيجب العتق أولا ، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين ( 4 ) ، فإن عجز ( هامش ) ( 1 ) إستدل بهذا ، من ذهب إلى سقوط الكفارة بالاعسار ، وهو أحد قولي الشافعي ، ومشهور مذهب أحمد ، وجزم به بعض المالكية والجمهور على أن الكفارة لا تسقط بالاعسار . ( 2 ) فإن كان الصيام قضاء رمضان ، أو نذرا وأفطر بالجماع ، فلا كفارة في ذلك . ( 3 ) هذه إحدى الروايتين ، عن أحمد . ( 4 ) ليس فيهما رمضان ولا أيام العيدين والتشريق . ( . ) / صفحة 469 / عنه ، أطعم ستين مسكينا من أوسط ما يطعم منه أهله ( 1 ) ، وانه لا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى ، إلا إذا عجز عنها . ويذهب المالكية ، ورواية لاحمد : أنه مخير بين هذه الثلاث فأيها فعل أجزأ عنه . لما روى مالك ، وابن جريج ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكينا . رواه مسلم و " أو " تفيد التخيير . ولان الكفارة بسبب المخالفة ، فكانت على التخيير ، ككفارة اليمين . قال الشوكاني : وقد وقع في الروايات ، ما يدل على الترتيب والتخيير ، والذين رووا الترتيب أكثر ، ومعهم الزيادة . وجمع المهلب ، والقرطبي ، بين الروايات ، بتعدد الواقعة . قال الحافظ : وهو بعيد ، لان القصة واحدة ، والمخرج متحد ، والاصل عدم التعدد . وجمع بعضهم بحمل الترتيب على الاولوية ، والتخيير على الجواز . وعكسه بعضهم . انتهى . ومن جامع عامدا في نهار رمضان ولم يكفر ، ثم جامع في يوم آخر منه فعليه كفارة واحدة ، عند الاحناف ، ورواية عن أحمد لانها جزاء عن جناية تكرر سببها ، قبل استيفائها ، فتتداخل . وقال مالك والشافعي ، ورواية عن أحمد : عليه كفارتان ، لان كل يوم عبادة مستقلة ، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين . وقد أجمعوا على أن من جامع في نهار رمضان ، عامدا وكفر ، ثم جامع في يوم آخر ، فعليه كفارة أخرى . ( هامش ) ( 1 ) مذهب أحمد لكل مسكين مدمن قمح ، أو نصف صاع من تمر أو شعير ونحوهما . وقال أبو حنيفة : من القمح نصف صاع ومن غيره صاع . وقال الشافعي ومالك : يطعم مدا من أي الانواع شاء . وهذا رأي أبي هريرة وعطاء والاوزاعي ، وهو أظهر . فإن العرق الذي أعطي للاعرابي يسع 15 صاعا . ( . ) / صفحة 470 / وكذلك أجمعوا ، على أن من جامع مرتين ، في يوم واحد ولم يكفر عن الاول ، أن عليه كفارة واحدة . فإن كفر عن الجماع الاول لم يكفر ثانيا ، عند جمهور الائمة . وقال أحمد : عليه كفارة ثانية . قضاء رمضان قضاء رمضان لا يجب على الفور ، بل يجب وجوبا موسعا في أي وقت ، وكذلك الكفارة . فقد صح عن عائشة : أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان ( 1 ) ولم تكن تقضيه فورا عند قدرتها على القضاء . والقضاء مثل الاداء ، بمعنى أن من ترك أياما ، يقضيها دون أن يزيد عليها . ويفارق القضاء الاداء ، في أنه لا يلزم فيه التتابع ، لقول الله تعالى : " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " . أي ومن كان مريضا ، أو مسافرا فأفطر ، فليصم عدة الايام ، التي أفطر فيها ، في أيام أخر ، متتابعات أو غير متتابعات ، فإن الله أطلق الصيام ولم يقيده . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 470 : وروى الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - في قضاء رمضان - : " إن شاء فرق ، وإن شاء تابع " . وإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر ، صام رمضان الحاضر ، ثم يقضي بعده ما عليه ، ولا فدية عليه ، سواء كان التأخير لعذر ، أم لغير عذر . وهذا مذهب الاحناف ، والحسن البصري . ووافق مالك والشافعي ، وأحمد ، وإسحق ، والاحناف : في أنه لافدية عليه ، إذا كان التأخير بسبب العذر . وخالفوهم فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير ، فقالوا : عليه أن يصوم رمضان الحاضر . ثم يقضي ما عليه بعده ويفدي عما فاته عن كل يوم مدا من طعام . ( هامش ) ( 1 ) رواه أحمد ومسلم . ( . ) / صفحة 471 / وليس لهم في ذلك دليل يمكن الاحتجاج به . فالظاهر ما ذهب إليه الاحناف ، فانه لاشرع إلا بنص صحيح . من مات وعليه صيام أجمع العلماء : على أن من مات - وعليه فوائت من الصلاة - فإن وليه لا يصلي عنه ، هو ولا غيره ، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته . فإن مات وعليه صيام وكان قد تمكن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه . فذهب جمهور العلماء ، منهم أبو حنيفة ، ومالك ، والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه ويطعم عنه مدا ، عن كل يوم ( 1 ) . والمذهب المختار عند الشافعية : أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه ، ويبرأ به الميت ، ولا يحتاج إلى طعام عنه . والمراد بالولي ، القريب ، سواء كان عصبة ، أو وارثا ، أو غيرهما . ولو صام أجنبي عنه ، صح ، إن كان بإذن الولي ، وإلا فإنه لا يصح . واستدلوا بما رواه أحمد ، والشيخان ، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " زاد البزار لفظ : إن شاء ( 2 ) . وروى أحمد . وأصحاب السنن : عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم : فقال : يا رسول الله ، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها ؟ فقال : يا رسول الله ، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها ؟ فقال : " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه ؟ " قال : نعم . قال : " فدين الله أحق أن يقضى " قال النووي : وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الاحاديث الصحيحة الصريحة . ( هامش ) ( 1 ) يرى الحنيفة أن الواجب نصف صاع من قمح ، وصاعا من غيره . ( 2 ) سندها حسن . ( . ) / صفحة 472 / التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها : اختلف الفقهاء في التقدير ، في البلاد التي يطول نهارها ، ويقصر ليلها ، والبلاد التي يقصر نهارها ، ويطول ليلها ، على أي البلاد يكون ؟ فقيل : يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع ، كمكة والمدينة ، وقيل : على أقرب بلاد معتدلة إليهم ليلة القدر فضلها : ليلة القدر أفضل ليالي السنة لقوله تعالى : ( إنا أنزلناه ( 1 ) في ليلة القدر . وما أدراك ماليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر ) أي العمل فيها ، من الصلاة والتلاوة ، والذكر . خير من العمل في ألف شهر ، ليس فيها ليلة القدر . استحباب طلبها : ويستحب طلبها في الوتر من العشر الاواخر من رمضان فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الاواخر من رمضان . وتقدم ، أنه كان إذا دخل العشر الاواخر أحيى الليل وأيقظ أهله ، وشد المئزر ( 2 ) أي الليالي هي ؟ : للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة ، فمنهم من يرى أنها ليلة الجادي والعشرين ، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين ، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين ، ومنهم من قال : إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الاواخر . وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين . روى أحمد - بإسناد صحيح - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال ( هامش ) ( 1 ) أي القرآن : " شهر رمضان " الذي أنزل فيه القرآن . ( 2 ) أي اعتزل النساء واشتد في العبادة . ( . ) / صفحة 473 / رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين " . وروى مسلم ، وأحمد ، وأبو داود ، والترمذي - وصححه عن أبي ابن كعب أنه قال : والله الذي لا إله إلا هو ، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لاعلم أي ليلة هي ، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم بقيامها ، هي ليلة سبع وعشرين ، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها ، بيضاء ، لاشعاع لها . قيامها والدعاء فيها : 1 - روى البخاري ومسلم ، عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه " . 2 - وروى أحمد ، وابن ماجه ، والترمذي - وصححه - عن ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 473 : عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله . أرأيت إن علمت ، أي ليلة ليلة القدر ، ما أقول فيها ؟ قال : قولي : " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " . / صفحة 475 / الاعتكاف ( 1 ) معناه : الاعتكاف لزوم الشئ وحبس النفس عليه ، خيرا كان أم شرا . قال الله تعالى : ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ) أي مقيمون متعبدون لها . والمقصود به هنا لزوم المسجد والاقامة فيه بنية التقرب إلى الله عزوجل . ( 2 ) مشروعيته : وقد أجمع العلماء على أنه مشروع ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما . رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه ، وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه وبعده ، وهو إن كان قربة ، إلا أنه لم يرد في فضله حديث صحيح . قال أبوداود : قلت لاحمد رحمه الله : تعرف في فضل الاعتكاف شيئا ؟ قال : لا ، إلا شيئا ضعيفا . ( 3 ) أقسامه : الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وإلى واجب ، فالمسنون ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله ، وطلبا لثوابه ، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه ، ويتأكد ذلك في العشر الاواخر من رمضان لما تقدم ، والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه ، إما بالنذر المطلق ، مثل أن يقول : لله علي أن أعتكف كذا ، أو بالنذر المعلق كقوله : إن شفا الله مريضي لاعتكفن كذا . وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " وفيه : أن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ، فقال : " أوف بنذرك " . / صفحة 476 / ( 4 ) زمانه : الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذره وسماه الناذر ، فإن نذر الاعتكاف يوما أو أكثر وجب الوفاء بما نذره . والاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد ، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر . ويثاب ما بقي في المسجد ، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف ، فعن يعلى بن أمية قال : إني لامكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لاعتكف . وقال عطاء : هو اعتكاف ما مكث فيه ، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف . وإلا فلا . وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء ، قبل قضاء المدة التي نواها . فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه . وأنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الاواخر من رمضان فأمر ببنائه ( 1 ) فضرب . قالت عائشة : فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب ، وأمر غيري من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائه فضرب . فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية ، فقال : ما هذه ؟ " آلبرتردن " ( 2 ) قالت : فأمر ببنائه فقوض ( 3 ) ، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الاول " يعني من شوال " فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته منهن دليل على قطعه بعد الشروع فيه . وفي الحديث أن للرجل أن يمنع زوجته من الاعتكاف ( هامش ) ( 1 ) في هذا دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعا من المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس ، وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه لئلا يضيق على غيره وليكون أخلى له وأكمل لانفراده . ( 2 ) " البر " الطاعة ، في شرح مسلم سبب إنكاره أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه لغيرتهن عليه أو غيرته عليهن فكره ملازمتهن المسجد مع أنه يجمع الناس ويحضره الاعراب والمنافقون . وهن محتاجات إلى الخروج والدخول لما يعرض لهن فيبتذلن بذلك . أو لانه صلى الله عليه وسلم رآهن عنده في المسجد وهو في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه وذهب المهم من مقصود الاعتكاف ، وهو التخلي عن الازواج ومتعلقات الدنيا وشبه ذلك ، أو لانهن ضيقن المسجد بأبنيتهن . انتهى . ( 3 ) أزيل وهدم . ( . ) / صفحة 477 / بغير إذنه ، وإليه ذهب عامة العلماء ، واختلفوا فيما لو أذن لها ، هل له منعها بعد ذلك ؟ فعند الشافعي وأحمد وداود : له منعها وإخراجها من اعتكاف التطوع . ( 5 ) شروطه : ويشترط في المعتكف أن يكون مسلما ، مميزا طاهرا من الجنابة والحيض والنفاس ، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ولاجنب ولاحائض ولا نفساء . ( 6 ) أركانه : حقيقة الاعتكاف المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى ، فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف . أما وجوب النية فلقول الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم " إنما الاعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " وأما أن المسجد لا بد منه فلقول الله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 477 : عاكفون في المساجد ) ووجه الاستدلال ، أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لانها منافية للاعتكاف ، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد . ( 7 ) رأي الفقهاء في المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف : اختلف الفقهاء في المسجد يصح الاعتكاف فيه فذهب أبو حنيفة واحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه يصح في كل مسجد يصلى فيها الصلوات الخمس وتقام فيه الجماعة ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " رواه الدارقطني . وهذا حديث مرسل ضعيف لا يحتج به . وذهب مالك والشافعي وداود ، إلى أنه يصح في كل مسجد لانه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شئ صريح . وقالت الشافعية الافضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع ، لان / صفحة 478 / الرسول صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد الجامع ، ولان الجماعة في في صلواته اكتر ، ولا يعتكف في غيره إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة حتى لا تفوته . وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة إن كان بابها في المسجد أو في صحنه . ويصعد على ظهر المسجد لان كل ذلك من المسجد ، فإن كان باب المئدنة خارج المسجد بطل اعتكافه إن تعمد ذلك ، ورحبة المسجد منه عند الحنفية والشافعية ، ورواية عن أحمد . وعن مالك ورواية عن أحمد ، أنها ليست منه ، فليس للمعتكف أن يخرج إليها . وجمهور العلماء على أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها ، لان مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد ، ولا خلاف في جواز بيعه ، وقد صح أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن في المسجد لنبوي . صوم المعتكف المعتكف إن صام فحسن ، وإن لم يصم فلا شئ عليه . روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال : يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام . فقال : " أوف بنذرك " ففي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالوفاء بالنذر دليل على ان الصوم ليس شرطا في صحة الاعتكاف ، إذ أنه لا يصح الصيام في الليل . وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل . قال ، كان على امرأة من أهلي اعتكاف . فسألت عمر بن عبد العزيز ، فقال ليس عليها صيام ، إلا أن تجعله على نفسها . فقال الزهري : لا اعتكاف إلا بصوم . فقال له عمر : عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا . قال : فعن أبي بكر ؟ قال : لا . قال : فعن عمر ؟ قال : لا . قال : واظنه قال عن عثمان ؟ قال : لا . فخرجت من عنده فلقيت عطاء وطاووسا فسألتهما ؟ فقال طاووس : كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها . وقال عطاء : ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها . قال الخطابي ، وقد اختلف الناس في هذا ، فقال الحسن البصري : إن اعتكف من غير صيام أجزأه ، وإليه ذهب الشافعي . وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا : إن شاء صام / صفحة 479 / وإن شاء أفطر . وقال الاوزاعي ومالك : لا اعتكاف إلا بصوم ، وهو مذهب أهل الرأي وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ، وهو قول سعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وقت دخول المعتكف والخروج منه تقدم أن الاعتكاف المندوب ليس له وقت محدد . فمتى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار متعكفا حتى يخرج ، فإن نوى اعتكاف العشر الاواخر من رمضان ، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس . فعند البخاري عن أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الاواخر " . والعشر اسم لعدد الليالي ، أول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين أو ليلة العشرين . وما روي أنه صلى الله عليه وسلم : كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه . فمعناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد . أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فقد كان أول الليل . ومن اعتكف العشر الاواخر من رمضان فإنه يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر عند أبي حنيفة والشافعي . وقال مالك وأحمد : إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه ، والمستحب عندهما أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد . وروى الاثرم بإسناده عن أبي أيوب عن أبي قلابة : أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ، ثم يغدو كما هو إلى العيد ، وكان - يعنى في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه ، كان يجلس كأنه بعض القوم ، قال : فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة ، ما ظننتها إلا بعض بناته ، فإذا هي أمة له ، فأعتقها ، وغدا كما هو إلى العيد . وقال إبراهيم . كانوا يحبون لمن اعتكف الشعر الاواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة ، أو أراد ذلك تطوعا فإنه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الفجر ، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 479 : / صفحة 480 / سواء أكان ذلك في رمضان أم في غيره ، ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسماة ، أو أراد تطوعا ، فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس ويخرج إذا تبين له طلوع الفجر . قال ابن حزم : لان مبدأ الليل إثر غروب الشمس ، وتمامه بطلوع الفجر ، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر ، واتمامه بغروب الشمس ، وليس على أحد إلا ما التزم أو نوى . فإن نذر اعتكاف شهر أو أراده تطوعا بدأ الشهر من أول ليلة منه . فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس ، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر سواء رمضان وغيره . ما يستحب للمعتكف وما يكره له يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات ، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء ، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى وتصل المرء بخالقه جل ذكره . ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث ، وقراءة سير الانبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين ، ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد انتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم . ويكره له أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل ، لما رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ويكره له الامساك عن الكلام ظنا منه أن ذلك مما يقرب إلى الله عزوجل ، فقد روى البخاري وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، إذا هو برجل قائم فسأل عنه ؟ فقالوا : أبو اسرائيل . نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ويصوم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه . " وروى أبو داود عن على رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يتم بعد احتلام ، ولا صمات يوم إلى الليل " ( 1 ) ( هامش ) ( 1 ) أي لا يسمى من فقد أباه يتيما بعد بلوغه ، والصمات : السكوت . ( . ) / صفحة 481 / ما يباح للمعتكف يباح للمعتكف ما يأتي : 1 - خروجه من معتكفه لتوديع أهله ، قالت صفية ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا ، فحدثته ثم قمت فانقلبت ، فقام معي ليقلبني ( 1 ) ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد . فمر رجلان من الانصار ، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي " ، قالا : سبحان الله يا رسول الله ، قال : " إن الشيطان يجري من الانسان مرجى الدم ، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " أو قال " شرا ( 2 ) " رواه البخاري ومسلم وأبو داود . 2 - ترجيل شعره وحلق رأسه ، وتقليم أظفاره وتنظيف البدن من الشعث والدرن ولبس أحسن الثيات والتطيب بالطيب . قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة ، فأغسل رأسه - " وقال مسدد فأرجله ( 3 ) " وأنا حائض . رواه البخاري ومسلم وأبو داود . 3 - الخروج للحاجة التي لا بد منها ، قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان . رواه البخاري ومسلم وغيرهما . وقال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ، لان هذا مما لا بد منه . ولا يمكن فعله في المسجد ، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه ، وإن بغته القئ فله أن يخرج ليقئ ( هامش ) ( 1 ) يردها لبيتها قال الحطامي وفيه انه خرج من المسجد معها ليبلغها منزلها ، وفي هذا حجة لمن رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب وأنه لا يمنع المعتكف من اتيان معروف . ( 2 ) حكي عن الشافعي : ان ذلك كان منه شفقة عليهما ، لانهما لو ظنا به ظن سوء كفرا فبادر إلى إعلامهما ذلك لئلا يهلكا . وفي تاريخ ابن عساكر عن ابراهيم بن محمد قال كنا في مجلس ابن عيينة والشافعي حاضر حدث بهذا الحديث . وقال للشافعي : ما فقهه ؟ فقال : إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء ، لا أن النبي صلى الله عليه وسلم اكهمهم ، وهو أمين الله في أرضه . فقال ابن عيينة جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا كلام تحبه . ( 3 ) تصليحه بالمشط . ( . ) / صفحة 482 / خارج المسجد ، وكل ما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله خروجه إليه ، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل . انتهى . ومثل هذا الخروج للغسل من الجنابة وتطهير البدن والثوب من النجاسة . روى سعيد بن منصور قال : قال علي بن أبي طالب : إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة ، وليحضر الجنازة ، وليعد المريض وليأت أهله يأمرهم بحاجته ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 482 : وهو قائم . وأعان رضي الله عنه ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه أن يشتري بها خادما ، فقال : إني كنت معتكفا ، فقال له علي : وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت ؟ وعن قتادة : أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس . وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون للمعتكف أين يشترط هذه الخصال - وهن له وإن لم يشترط - عيادة المريض ، ولا يدخل سقفا ، ويأتي الجمعة : ويشهد الجنازة ، ويخرج إلى الحاجة . قال : ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة . قال الخطابي : وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض ، ويشهد الجنازة . روي ذلك عن علي رضي الله عنه ، وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي . وروى أبو داود عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر بالمريض وهو معتكف ، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه وما روي عنها من أن السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا فمعناه أن لا يخرج من معتكفه ، قاصدا عيادته ، وأنه ، لا يضيق عليه أن يمر به فيسأل غير معرج عليه . 4 - وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه ، مع المحافظة على نظافته وصيانته ، وله أن يعقد العقود فيه كعقد النكاح وعقد البيع والشراء ، ونحو ذلك . ما يبطل الاعتكاف يبطل الاعتكاف بفعل شئ مما يأتي : 1 - الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا وإن قل ، فإنه يفوت المكث فيه ، وهو ركن من أركانه . / صفحة 483 / 2 - الرده . لمنافاتها للعبادة ، ولقول الله تعالى : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) . 3 ، 4 ، 5 - ذهاب العقل بجنون أو سكر . والحيض والنفاس ، لفوات شرط التمييز والطهارة من الحيض والنفاس . 6 - الوطء لقول الله تعالى : ( ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد ، تلك حدود الله فلا تقربوها ) ولا بأس باللمس بدون شهوة ، فقد كانت إحدى نسائه صلى الله عليه وسلم ترجله وهو معتكف ، أما القبلة واللمس بشهوة فقد قال أبو حنيفة وأحمد أنه قد أساء ، لانه قد أتى بما يحرم عليه ، ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل ، وقال مالك : يفسد اعتكافه لانها مباشرة محرمة فتفسد كما لو أنزل ، وعن الشافعي روايتان كالمذهبين . قال ابن رشد : وسبب اختلافهم ، هل الاسم المشترك ، بين الحقيقة والمجاز له عموم أم لا وهو أحد أنواع الاسم المشترك . فمن ذهب إلى أن له عموما قال : إن المباشرة في قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ، ) يطلق على الجماع وعلى ما دونه ، ومن لم ير له عموما - وهو الاشهر الاكثر - قال : يدل إما على الجماع ، وإما على ما دون الجماع ، فإذا قلنا : إنه يدل على الجماع بإجماع ، بطل أن يدل على غير الجماع ، لان الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا . ومن أجرى الانزال بمنزلة الوقاع ، فلانه في معناه ، ومن خالف فلانه يطلق عليه الاسم حقيقة . قضاء الاعتكاف من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاءه وقيل : يجب . قال الترمذي : واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى . فقال مالك : إذا انقضى اعتكافه وجب عليه القضاء ، واحتجوا بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال . وقال الشافعي : إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شئ أوجبه على نفسه وكان متطوعا ، فخرج فليس عليه قضاء ، إلا أن يحب ذلك اختيارا منه . / صفحة 484 / قال الشافعي : وكأن علم لك أن لا تدخل فيه ، فإذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة . أما من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الائمة ، فإن مات قبل أن يقضيه لا يقضى عنه . وعن أحمد : أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه . روى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أمية قال : سمعت عبد الله بن عبد الله بن عتبة يقول : إن أمنا ماتت وعليها اعتكاف ، فسألت ابن عباس فقال : اعتكف عنها وصم . وروى سعيد ابن منصور : ان عائشة اعتكفت عن أخيها بعد ما مات . المعتكف يلزم مكانا من المسجد ، وينصب فيه الخيمة : 1 - روى ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاواخر من رمضان . قال نافع : وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . 2 - وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف طرح له فراش ، أو يوضع له سرير وراء اسطوانة التوبة ( 1 ) . 3 - وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية على سدتها ( 2 ) قطعة حصير . نذر الاعتكاف في مسجد معين من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الاقصى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا " ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 484 : أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف ( هامش ) ( 1 ) هي أسطوانة ربط بها رجل من الصحابة نفسه حتى تاب الله عليه . ( 2 ) " سدتها " أي بابها وإنما وضع الحصير على بابها حتى لا ينظر فيها أحد . ( . ) / صفحة 485 / في المسجد الذي عينه ، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء ، لان الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانا معينا ولانه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر إلا المساجد الثلاثة ، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاز في مسجدي هذا بمائة صلاة " . وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لانه أفضل منه . / صفحة 487 / الجنائز ( 1 ) أدب السنة في المرض والطب المرض : جاءت الاحاديث مصرحة بأن المرض يكفر السيئات ويمحو الذنوب . نذكر بعضها فيما يلي : 1 - روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من يرد الله به خيرا يصب منه " . 2 - ورويا عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه " . 3 - روى البخاري عن ابن مسعود ، قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك ، فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا ، قال أجل : " إني أوعك كما يوعك ( 2 ) رجلان منكم . " قلت : ذلك أن لك أجرين ؟ قال : " أجل ذلك كذلك ، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها " . 4 - وروى عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها ، فإذا اعتدلت تكفا بالبلاء ، والفاجر كالارزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء " . الصبر عند المرض على المريض أن يصبر على ما ينزل به من ضر ، فما أعطى العبد عطاء خيرا وأوسع له من الصبر . ( هامش ) ( 1 ) الجنائز : جمع جنازة . من جنزه إذا ستره . ( 2 ) الوعك : حرارة الحمى وألمها . يقال : وعكه المرض وعكا ووعكة فهو موعوك ، أي اشتد به . ( . ) / صفحة 488 / 1 - روى مسلم عن صهيب بن سنان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عجبا لامر المؤمن إن أمره كله خير - وليس ذلك لاحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " . 2 - وروى البخاري عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى قال : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة " يريد عينيه . 3 - وروى البخاري ومسلم عن عطاء بن رباح عن ابن عباس قال : ألا أريك امرأة من أهل الجنة فقلت : بلى ، فقال هذه المرأة السوداء ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أصرع ، وإني أتكشف ، فادع الله تعالى لي . فقال : " إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك ؟ " فقالت : أصبر ، ثم قالت ، إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف ، فدعا لها . شكوى المريض يجوز للمريض أن يشكو للطبيب والصديق ما يجده من الالم والمرض ما لم يكن ذلك على سبيل التسخط وإظهار الجزع . وقد تقدم قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، " إني أوعك كما يوعك رجلان منكم " وشكت عائشة فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : وارأساه ، فقال : " بل أنا ، وارأساه " وقال عبد الله بن الزبير لاسماء - وهي وجعة - كيف تجدينك ؟ قالت : وجعة . وينبغي أن يحمد المريض ربه قبل ذكر ما به . قال ابن مسعود : إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك والشكوى إلى الله مشروعة ، قال يعقوب : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) وقال الرسول : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي " الخ . المريض يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح : وروى البخاري عن أبي موسى الاشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا " . / صفحة 489 / عيادة المريض من أدب الاسلام أن يعود المسلم المريض ويتفقد حاله تطبيبا لنفسه ووفاء بحقه ، قال ابن عباس : عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع . وروى البخاري عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أطعموا الجائع وعودوا المريض : وفكوا العاني ( 1 ) " . وروى البخاري ومسلم " حق المسلم على المسلم ست ، قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال إذا لقيته فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد الله فشمته ، وإذا مرض فعده . وإذا مات فاتبعه " . فضلها : 1 - روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عاد مريضا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 489 : من الجنة منزلا " . 2 - وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علمت ان عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ ! قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني ؟ قال : يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " . 3 - وعن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع " . قيل يا رسول الله : وما خرفة الجنة ؟ قال : " جناها ( 2 ) " . 4 - وعن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ( هامش ) ( 1 ) العاني : الاسير . ( 2 ) " الجنى " ما يجنى من الثمر . ( . ) / صفحة 490 / وسلم يقول : " ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي ، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح ، وكان له خريف ( 1 ) في الجنة " رواه الترمذي وقال : حديث حسن . آداب العيادة : يستحب في العيادة أن يدعو العائد للمريض بالشفاء والعافية وأن يوصيه بالصبر والاحتمال ، وأن يقول له الكلمات الطيبة التي تطيب نفسه ، وتقوي روحه ، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له ( 2 ) في الاجل ، فإن ذلك لا يرد شيئا ، وهو يطيب نفس المريض . " وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا دخل على من يعود قال : " لا بأس طهور إن شاء الله " . ويستحب تخفيف العيادة وتقليلها من أمكن حتى لا يثقل على المريض إلا إذا رغب في ذلك . عيادة النساء الرجال قال البخاري : باب : عيادة النساء الرجال " وعادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الانصار . وروى عن عائشة أنها قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر ، وبلال رضي الله عنهما . قالت : فدخلت عليهما فقلت : يا أبت كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ قالت : وكان أبو بكر إذا اخذته الحمى يقول : كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه يقول : ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة : فجئت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : ( هامش ) ( 1 ) " الخريف " الثمر المخروف أي المجتنى . ( 2 ) " فنفسوا له " أي طمعوه في طول أجله . ( . ) / صفحة 491 / " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد . اللهم وصححها وبارك في مدها وصاعها ، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة " . عيادة المسلم الكافر لا بأس بعيادة المسلم الكافر . قال البخاري : " باب عيادة المشرك " وروي عن أنس رضي الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده . فقال : " أسلم " ، فأسلم . وقال سعيد بن المسيب عن أبيه ، لما حضر أبو طالب جاءه النبي صلى الله عليه وسلم . العيادة في الرمد روى أبو داود عن زيد بن أرقم . قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني . طلب الدعاء من المريض روى ابن ماجة عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك . فان دعاءه كدعاء الملائكة " ( 1 ) قال في الزوائد : واسناده صحيح ورجاله ثقات ، إلا أنه منقطع . التداوي أمر الشارع بالتداوي في أكثر من حديث . 1 - روى أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي عن أسامة بن شريك . قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأن على رؤوسهم الطير ( 2 ) فسلمت ثم قعدت فجاء الاعراب من ههنا وههنا . فقالوا : يا رسول الله أنتداوى ؟ فقال " تداووا فان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد ، الهرم . . " ( هامش ) ( 1 ) أي في قرب الاستجابة . ( 2 ) من السكون والوقار . ( . ) / صفحة 492 / 2 - روى النسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن ابن مسعود : ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا . " 3 - وروى مسلم عن جابر : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ باذن الله . " التداوي بالمحرم : ذهب جمهور العلماء إلى حرمة التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات ، واستدلوا بالاحاديث الاتية : 1 - روى مسلم وابو داود والترمذي عن وائل بن حجر الحضرمي ، أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصنعها للدواء ؟ . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 492 : فقال : " إنها ليست بدواء ، ولكنها داء " . فأفاد الحديث حرمة التداوي بها ، وأخبر بأنها داء . 2 - وروى البيهقي وصححه ابن حبان ، عن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " وذكره البخاري عن ابن مسعود . 3 - وروى أبو داود عن أبي الدرداء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أنزل الداء والدواء . وجعل لكل داء دواء . ، فتداووا ، ولا تتداووا بحرام . " وفي سنده إسماعيل بن عياش . وهو ثقة في الشاميين ، ضعيف في الحجازيين . 4 - وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث - يعني السم . والقطرات القليلة غير الظاهرة ، والتي لا يكون من شأنها الاسكار ، إذا اختلطت بالدواء المركب لا تحرم ، مثل القليل من الحرير في الثوب ، أفاده في المنار . الطبيب الكافر وفي كتاب الاداب الشرعية لابن مفلح : وقال الشيخ تقي الدين : إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الانسان جاز له ان يستطب ( 1 ) كما ( هامش ) ( 1 ) يجعل طبيبا . ( . ) / صفحة 493 / يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله ، كما قال الله تعالى : ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) . وفي الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر استأجر رجلا مشركا هاديا خريتا ( 1 ) وائتمنه على نفسه وماله . وكانت خزاعة عينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مسلمهم وكافرهم ، وقد روى : ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ان يستطب الحارث بن كلدة ، وكان كافرا ، وإذا أمكنه أن يستطب مسلما ، فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله ، فلا ينبغي ان يعدل عنه ، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي ، أو أستطبابه فلم ذلك ، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها ، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنا ، فان الله تعالى يقول : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " . اه‍ وذكر أبو الخطاب في حديث صلح الحديبية وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عينا له من خزاعه وقبوله خبره : أن فيه دليلا على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به من صفة العلة ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه . وكان غير مظنون به الريبة . جواز استطباب المرأة يجوز للرجل أن يداوي المرأة ، ويجوز للمرأة أن تداوي الرجل عند الضرورة . قال البخاري : هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل . ثم روى عن ربيع بنت معوذ بن عفراء . قالت : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقي القوم ، ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة . وقال الحافظ في الفتح : يجوز مداواة الاجانب عند الضرورة ، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك . وقال ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية : فإن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل ، جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها حتى الفرجين ، وكذا الرجل مع الرجل . قال ابن حمدان : وان لم يوجد من يطبه سوى امرأة ، فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظرها منه حتى فرجيه . قال القاضي : يجوز للطيب ( هامش ) ( 1 ) الخريت : الماهر بالهداية . ( . ) / صفحة 494 / أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة ، وكذلك يجوز للمرأة والرجل ، أن ينظرا إلى عورة الرجل عند الضرورة . انتهى . العلاج بالرقي ( 1 ) والادعية يشرع العلاج بالرقى والادعية إذا كانت مشتملة على ذكر الله ، وكانت باللفظ العربي المفهوم لان مالا يفهم ، لا يؤمن أن يكون فيه شئ من الشرك فعن عوف بن مالك . قال : كنا نرقى في الجاهلية فقلنا : يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال اعرضوا علي رقاكم . لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " رواه مسلم وأبو داود ، وقال الربيع : سألت الشافعي عن الرقية فقال : لا بأس أن ترقى بكتاب الله ، وبما تعرف من ذكر الله قلت : أيرقى أهل الكتاب المسلمين ؟ قال نعم ، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله . بعض الادعية الواردة في ذلك 1 - روى البخاري ومسلم عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله ، يمسح بيده اليمنى ويقول : " اللهم رب الناس أذهب البأس ( 2 ) أشف وأنت الشافي ، لاشفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما " . 2 - وروى مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا بحدة في جسده . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل : باسم الله ، وقل : سبع مرات : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " قال ففعلت ذلك مرارا فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلى وغيرهم . 3 - وروى الترمذي عن محمد بن سالم قال : قال لى ثابت البناني : يا محمد ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 494 : إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي ، ثم قل : بسم الله أعوذ بعزة الله من شر ما أجد من وجعي هذا ، ثم ارفع يدك ، ثم أعد ذلك وترا ، فان أنس بن مالك حدثني : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه بذلك . ( هامش ) ( 1 ) الرق : جمع رقية ، مثل مدى جمع مدية : وهي الادعية التي يدعى بها للمريض . ( 2 ) البأس : الشدة . ( . ) / صفحة 495 / 4 - وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات : أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك . إلا عافاه الله من ذلك المرض " . رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن . وقال الحاكم : صحيح على شرط البخاري . 5 - وروى البخاري عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين : " أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة . ومن كل عين لامة ( 1 ) ويقول : " إن أباكما ( 2 ) كان يعوذ بهما إسماعيل و اسحاق " . 6 - وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه فقال : " اللهم اشف سعدا ، اللهم اشف سعدا ، اللهم اشف سعدا " . النهي عن التمائم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التمائم . 1 - فعن عقبة بن عامر ، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من علق تميمة فلا أتم الله له . ومن علق ودعة فلا أودع الله له " رواه أحمد والحاكم . وقال : صحيح الاسناد . والتميمة : هي الخرزة التي كان العرب يعلقونها على أولادهم يمنعون بها العين في زعمهم ، فأبطله الاسلام ونهى عنه . ودعا رسول الله على من علق تميمة بعدم التمام ، لما قصده من التعليق . 1 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه : أنه دخل على امرأته ، وفي عنقها شئ معقود ، فجذبه فقطعه . ثم قال : لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا . ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرقى والتمائم والتولة شرك " قالوا : يا أبا عبد الله هذه التمائم والرقى قد ( هامش ) ( 1 ) " الهامة " : كل ذات سم قاتل تجمع على هوام ، وقد تطلق على ما يدب من الحيوان ، كالق . " واللامة " : التي تصيب بسوء . ( 2 ) يقصد إبراهيم عليه السلام . ( . ) / صفحة 496 / عرفناها ، فما التولة ؟ قال : شئ يصنعه النساء يتحببن الى أزواجهن ( 1 ) . رواه الحاكم وابن حبان وصححاه . 3 - وعن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة أراه قال : " من صفر " ( 2 ) ، فقال : " ويحك ما هذه ؟ " قال : من الواهنة . قال " أما إنها لا تزيد إلا وهنا ، انبذها عنك ، فانك لومت وهي عليك ما أفلحت ابدا " رواه أحمد . والواهنة : عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها ، وقيل : مرض يأخذ في العضد . وقد علق الرجل حلقة من نحاس ، ظنا منه أنها تعصمه من الالم ، فنهاه الرسول عنها ، وعدها من التمائم . 4 - وروى أبو داوود عن عيسى بن حمزة قال : دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حمرة ، فقلت ألا تعلق تميمة ؟ فقال : نعوذ بالله من ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من علق شيئا وكل إليه " . هل يجوز تعليق الادعية الواردة في الكتاب والسنة ؟ روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا فزع أحدكم في النوم فليقل : اعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ، من همزات الشياطين وأن يحضرون فانها لن تضره " وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ، ومن لم يعقل كتبها في صك ثم علقها في عنقه . رواه أبو داود والنسائي والترمذي ، وقال : حسن غريب ، والحاكم وقال : صحيح الاسناد . وإلى هذا ذهبت عائشة ومالك وأكثر الشافعية ورواية عن أحمد . وذهب ابن عباس وابن مسعود ، وحذيفة والاحناف وبعض الشافعية ورواية عن أحمد : إلى أنه لا يجوز تعليق شئ من ذلك لما تقدم من النهي العام في الاحاديث السابقة . منع المريض من السكن بين الاصحاء ومن كان مبتلى بأمراض معدية ، يجوز منعه من السكن بين الاصحاء ولا ( هامش ) ( 1 ) قيل : هي خيط يقرأ فيه من السحر أو قرطاس فيه شئ يتحبب به النساء إلى قلوب الرجال ، أو الرجال إلى قلوب النساء . ( 2 ) " صفر " نحاس . ( . ) / صفحة 497 / يجاور الاصحاء ، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يوردن ممرض على مصح " فنهى صاحب الابل المراض أن يوردها على صاحب الابل الصحاح مع قوله " لا عدوى ولا طيرة " وكذلك روي انه لما قدم رجل محذوم ليبايعه ، أرسل إليه بالبيعة ، ولم يأذن له في دخول المدينة . النهي عن الخروج من الطاعون أو الدخول في أرض هو بها : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج من الارض التي وقع بها الطاعون أو الدخول فيها ، لما في ذلك من التعرض للبلاء . وحتى يمكن حصر ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 497 : المرض في دائرة محددة ، ومنعا لانتشار الوباء . وهوما يعبر عنه بالحجر الصحي . روى الترمذي وقال : حسن صحيح . عن أسامة بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : " بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل ، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها ، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها " وروى البخاري عن ابن عباس : أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الاجناد ، أبو عبيدة ابن الجراح وأصحابه . فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام . قال ابن عباس فقال عمر : ادع لي المهاجرين الاولين ، فدعاهم فاستشارهم ، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام ، فاختلفوا . فقال بعضهم قد خرجنا لامر ولا نرى أن نرجع عنه ، وقال بعضهم : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال : ارتفعوا عني . ثم قال : ادع لي الانصار . فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان ، فقالوا نرى أن ترجع بالناس ، ولا تقدمهم على هذا الوباء . فنادى عمر في الناس : إني مصبح على ظهر ، فأصبحوا عليه . قال أبو عبيدة بن الجراح : أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ؟ نعم نفر من قدر الله‌إلى قدر الله . أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة ، والاخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته ، فقال : إن عندي في هذا علما . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " قال فحمد الله عمر ثم انصرف . / صفحة 498 / استحباب ذكر الموت والاستعداد له بالعمل : رغب الشارع في تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح ، وعدذلك من دلائل الخير . فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة ، فقام رجل من الانصار فقال : يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس ؟ قال : " أكثرهم ذكرا للموت ، وأكثرهم استعدادا للموت ، أولئك الاكياس . ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة " . وعنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا من ذكر هاذم ( 1 ) اللذات " رواهما الطبراني بإسناد حسن . وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام . " قال : " إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا : هل لذلك من علامة يعرف بها ؟ قال : " الانابة إلى دار الخلود ، والتنحي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " . رواه ابن جرير ، وله طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا . كراهة تمني الموت يكره للمرء أن يتمنى الموت أو يدعو به ، لفقر أو مرض أو محنة أو نحو ذلك ، لما رواه الجماعة عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لابد متمنيا للموت فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرالي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " . وحكمة النهي عن تمني الموت ما جاء من حديث أم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على العباس ، وهو يشتكي فتمنى الموت فقال : " يا عباس يا عم رسول الله لاتتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك ، وإن كنت مسيئا فإن تؤخر تستعتب ( 2 ) خير لك . فلا تمن ( هامش ) ( 1 ) هاذم : قاطع والمراد به الموت . ( 2 ) تستعتب : تسترضي الله بالاقلاع عن الاساءة والاستغفار منها . " والاستعتاب " طلب إزالة العتاب . ( . ) / صفحة 499 / الموت " رواه أحمد والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم . فإن خاف أن يفتن في دينه يجوز له تمني الموت دون كراهة ، فمما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله في دعائه : " اللهم إني أسألك فعل الخيرات . وترك المنكرات وحب المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت فتنة في قومي فتوفني غير مفتون ، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك " رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . وفي الموطأ عن عمر رضي الله عنه دعا . فقال : " اللهم كبرت سني وضعفت قوتي ، وانتشرت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط " فضل طول العمر مع حسن العمل 1 - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا قال : يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال : " من طال عمره وحسن عمله " . قال : فأي الناس شر . قال : " من طال عمره وساء عمله " رواه أحمد والترمذي وقال : حسن صحيح . 2 - وعن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أنبئكم بخيركم ؟ " قالوا : نعم يا رسول الله قال : " خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا " رواه أحمد وغيره بسند صحيح . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 499 : العمل الصالح قبل الموت دليل على حسن الختام : روى أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله " قيل : كيف يستعمله ؟ قال " يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه " . استحباب حسن الظن بالله ينبغي أن يذكر المريض سعة رحمة الله ويحسن ظنه بربه ، لما رواه مسلم عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث ( 1 ) : ( هامش ) ( 1 ) أي بثلاث ليال . ( . ) / صفحة 500 / " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " . وفي الحديث استحباب تغليب الرجاء وتأميل العفو ليلقى الله تعالى على حالة هي أحب الاحوال إلى الله سبحانه إذ هو الرحمن الرحيم ، والجواد الكريم ، يحب العفو والرجاء . وفي الحديث " يبعث كل أحد على ما مات عليه " . وروى ابن ماجة والترمذي بسند جيد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهوفي الموت فقال : " كيف تجدك ؟ " قال : أرجو الله وأخاف ذنوبي . فقال صلى الله عليه وسلم : " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف " . استحباب الدعاء والذكر لمن حضر عند الميت : يستحب أن يحضر الصالحون من أشرف على الموت فيذكروا الله . 1 - روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أم سلمة قالت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا ، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " . قالت : فلما مات أبو سلمة ، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إن أبا سلمة قد مات ، قال : " قولي : اللهم اغفر لي وله ، وأعقبني منه عقبى حسنة " فقلت : فأعقبني الله من هو خير منه " محمدا صلى الله عليه وسلم " . 2 - وفي صحيح مسلم عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ، ثم قال : " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " فضج ناس من أهله فقال : " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " ، ثم قال : " اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين ، وأخلفه في عقبة الغابرين ( 1 ) واغفر لنا وله يا رب العالمين . وأفسح له في قبره ، ونور له فيه " . ( هامش ) ( 1 ) الغابرين : الباقين : أي كن خليفة له في إصلاح من يعقبه من ذريته حال كونهم في الباقين من الناس . ( . ) / صفحة 501 / ما يسن عند الاحتضار يسن عند الاحتضار مراعاة السنن الآتية : 1 - تلقين المحتصر " لا إله إلا الله " لما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لقنوا موتاكم ( 1 ) : لا إله إلا الله " وروى أبو داود ، وصححه الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان آخر كلامه لاإله إلا الله دخل الجنة " . والتلقين إنما يكون في حالة ما إذا كان لا ينطق بلفظ الشهادة . فإن كان ينطق بها فلا معنى لتلقينه . والتلقين إنما يكون في الحاضر العقل القادر على الكلام فإن شارد اللب لا يمكن تلقينه ، والعاجز عن الكلام يردد الشهادة في نفسه . قال العلماء : وينبغي أن لا يلح عليه في ذلك . ولا يقول له : قل لا إله إلا الله ، خشية أن يضجر ، فيتكلم بكلام غير لائق ، ولكن يقولها بحيث يسمعه معرضا له ، ليفطن له فيقولها . وإذا أتى بالشهادة مرة لا يعاود التلقين ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر فيعاد التعريض له به ليكون آخر كلامه . وجمهور العلماء على أن المحتضر يقتصر في تلقينه على لفظ " لا إله إلا الله " لظاهر الحديث ، ويرى جماعة أنه يلقن الشهادتين لان المقصود تذكر التوحيد وهو يتوقف عليهما . 2 - توجيهه إلى القبلة مضطجعا على شقه الايمن ، لما رواه البيهقي والحاكم وصححه عن أبي قتادة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ، سأل عن البراء بن معرور ؟ فقالوا : توفي ، وأوصى بثلث ماله لك ، وأن يوجه للقبلة لما احتضر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أصاب الفطرة ، وقد رددت ثلث ماله على ولده " . ثم ذهب فصلى عليه وقال : " اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت ( 2 ) " قال الحاكم : ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره . ( هامش ) ( 1 ) أي المحتضرين الذين هم في سياق الموت من المسلمين ، أما غيرهم فيعرض عليهم الاسلام . ( 2 ) فعلت : أي استجبت الدعاء ( . ) / صفحة 502 / وروى أحمد : أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها . وهذه الصفة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم النائم أن ينام عليها ، والتي يكون عليها الميت في قبره . وفي رواية عن الشافعي : أن المحتضر يستلقي على قفاه وقدماه إلى القبلة وترفع رأسه قليلا ليصير وجهه إليها والاول الذي ذهب إليه الجمهور أولى . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 502 : 3 - قراءة سورة يس ، لما رواه أحمدو أبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان وصححاه ، عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يس قلب القرآن ، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له . واقرؤوها على موتاكم ( 1 ) " . قال ابن حبان : أراد به من حضرته المنية ، لا أن الميت يقرأ عليه ، ويؤيد هذا المعنى ما رواه أحمد في مسنده عن صفوان قال : كانت المشيخة ( 2 ) يقولون : إذا قرئت " يس " عند الموت خفف عنه بها ، وأسنده صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدرداء وأبي ذر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مامن ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه " . 4 - تغميض عينيه إذا مات ، لما رواه مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة ، وقد شق بصره فأغمضه ثم قال : " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " . 5 - تسجيته صيانة له عن الانكشاف وسترا لصورته المتغيرة عن الاعين . فعن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبره ( 3 ) رواه البخاري ومسلم . ويجوز تقبيل الميت إجماعا فقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ابن مظعون وهو ميت ، وأكب أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته فقبله بين عينيه وقال : يا نبياه ، يا صفياه . ( هامش ) ( 1 ) أعل هذا الحديث ابن القطان بالاضطراب والوقف وجهالة بعض الرواة . ونقل عن الدارقطني أنه قال : هذا حديث مضطرب الاسناد مجهول المتن ولا يصح . ( 2 ) جمع شيخ . ( 3 ) سجي : غطي . " حبرة " : ثوب فيه أعلام . ( . ) / صفحة 503 / 6 - المبادرة بتجهيزه متى تحقق ( 1 ) موته ، فيسرع وليه بغسله ودفنه مخافة أن يتغير ، والصلاة عليه ، لما رواه أبو داود وسكت عنه . عن الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقال : " إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت ، فأذنوبي به ( 2 ) وعجلوا ، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله " . ولا ينتظر به قدوم أحد إلا الولي : فإنه ينتظر ما لم يخش عليه التغير . روى أحمد والترمذي عن علي رضي الله عنه : أن النبي قال له ، " يا علي : ثلاث لا تؤخرها الصلاة : إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والايم ( 3 ) إذا وجدت كفئا " . 7 - قضاء دينه ، لما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي . وحسنه ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " أي أمرها موقوف لا يحكم لها بنجاة ولا بهلاك أو محبوسة عن الجنة ، وهذا فيمن مات وترك ما لا يقضى منه دينه . أما من لامال له ومات عازما على القضاء ، فقد ثبت أن الله تعالى يقضي عنه ، ومثله من مات وله مال وكان محبا للقضاء ولم يقض من ماله ورثته فعند البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " . وروى أحمد وأبو نعيم والبزار والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عزوجل فيقول : يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين ، وفيم ضيعت حقوق الناس ؟ فيقول : يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ، ولكن أتى علي إما حرق وإما سرق ، وإما وضيعة ، فيقول الله صدق عبدي ، وأنا أحق من قضى عنك ، فيدعو الله بشئ فيضعه في كفة ميزانه ، فترجح حسناته على سيئاته ، فيدخل الجنة بفضل رحمته " . ( هامش ) ( 1 ) لابد من تحقق الموت بواسطة الاطباء وغيرهم من العارفين المشهود لهم في المعرفة ، ولا سيما من توقع أن يغمى عليه . ( 2 ) آذونوني : أعلموني . ( 3 ) الايم : من لا زوج لها . ( . ) / صفحة 504 / وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يمتنع عن الصلاة على المديون ، فلما فتح الله عليه البلاد ، وكثرت الاموال صلى على من مات مديونا وقضى عنه ، وقال في حديث البخاري : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن مات وعليه دين ، ولم يترك وفاء ، فعلينا قضاؤه . ومن ترك ما لا فلورثته " . وفي هذا ما يدل على أن من مات مدينا استحق أن يقضى عنه من بيت مال المسلمين ، ويؤخذ من سهم الغارمين " أحد مصارف الزكاة " وأن حقه لا يسقط بالموت . استحباب الدعاء والاسترجاع ( 1 ) عند الموت : يستحب أن يسترجع المؤمن ويدعو الله عند موت أحد أقاربه بالآتي . 1 - روى أحمد ومسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون . اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها ، إلا آجره الله تعالى في مصيبته ، وأخلف له خيرا منها " قالت : فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخلف الله لي خيرا منه " رسول الله ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 504 : صلى الله عليه وسلم " . 2 - وفي الترمذي عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم . فيقول : فماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع . فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد " قال : حديث حسن . 3 - وفي البخاري عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة " . 4 - وعن ابن عباس في قول الله تعالى : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ( هامش ) ( 1 ) الاسترجاع قول : " إنا لله وإنا إليه راجعون " . ( . ) / صفحة 505 / ورحمة . وأولئك هم المهتدون " قال : أخبر الله عزوجل : أن المؤمن إذا سلم لام الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب له ثلاث خصال من الخير : الصلاة من الله ، والرحمة ، وتحقيق سبيل الهدى . استحباب اعلام قرابته وأصحابه بموته استحب العلماء إعلام أهل الميت وقرابته وأصدقائه وأهل الصلاح بموته ليكون لهم أجر المشاركة في تجهيزه ، لما رواه الجماعة . عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، وخرج بهم إلى المصلى ، فصف أصحابه ، وكبر عليه أربعا . وروى أحمد والبخاري عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا ، وجعفرا وابن رواحة ، قبل أن يأتيهم خبرهم ، قال الترمذي : لا بأس بأن يعلم الرجل قرابته وإخوانه بموت الشخص . وقال البيهقي : وبلغني عن مالك بن أنس أنه قال : لاأحب الصياح لموت الرجل على أبواب المساجد ، ولو وقف على حلق المساجد فأعلم الناس بموته لم يكن به بأس . وأما ما رواه أحمد والترمذي وحسنه عن حذيفة ، قال : إذا مت فلا تؤذني بي أحدا ، فإني أخاف أن يكون نعيا . وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي ( 1 ) فإنه محمول على النعي الذي كانت الجاهلية تفعله . وكانت عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبا إلى القبائل ، يقول : نعاء فلانا أي هلكت العرب بمهلك فلان ، ويصحب ذلك ضجيج وبكاء . البكاء على الميت أجمع العلماء ، على أنه لا يجوز البكاء على الميت ، إذا خلا من الصراخ والنوح ، ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا أو يرحم " وأشار إلى لسانه . وبكى لموت ابنه إبراهيم وقال : " إن العين تدمع ، والقلب يحزن . ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " وبكى لموت ( هامش ) ( 1 ) النعي : الاخبار بموت الشخص . ( . ) / صفحة 506 / أميمة بنت ابنته زينب ، فقال له سعد بن عبادة يا رسول الله أتبكي ؟ أو لم تنه زينب ، فقال : " إنما هي رحمة فجعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء " وروى الطبراني عن عبد الله بن زيد قال : رخص في البكاء من غير نوح . فإن كان البكاء بصوت ونياحة ، كان ذلك من أسباب ألم الميت وتعذيبه . فعن ابن عمر قال : لما طعن عمر أغمي عليه ، فصيح عليه فلما أفاق قال : أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميت ليعذب ببكاء الحي " . وعن أبي موسى قال : لما أصيب عمر جعل صهيب يقول : واأخاه ، فقال له عمر : يا صهيب أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الميت ليعذب ببكاء الحي " وعن المغيرة بن شعبة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه " روى هذه الاحاديث البخاري ومسلم . ومعنى الحديث ، أن الميت يتألم ويسوءه نوح أهله عليه ، فإنه يسمع بكاءهم وتعرض أعمالهم عليه ، وليس معنى الحديث أنه يعذب ويعاقب بسبب بكاء أهله عليه ، فإنه لاتزر وازرة وزر أخرى . فقد روى ابن جرير عن أبي هريرة قال : إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإن رأوا خيرا فرحوا به . وإذا رأوا شرا كرهوا . وروى أحمد والترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الاموات ، فإن كان خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا . " وعن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ، فجعلت أخته عمرة تبكي : واحبلاه ، واكذا ، واكذا ، تعدد عليه فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلا قيل لي : أأنت كذلك . رواه البخاري . النياحة النياحة مأخوذة من النوح ، وهو رفع الصوت بالبكاء . وقد جاءت الاحاديث مصرخة بتحريمها ، فعن أبي مالك الاشعري : أن النبي صلى الله عليه / صفحة 507 / وسلم قال : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 507 : الاحساب ( 1 ) ، والطعن في الانساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة " وقال : " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من جرب ( 2 ) " رواه أحمد ومسلم . وعن أم عطية قالت : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لاننوح . رواه البخاري ومسلم . وروى البزار بسند رواته ثقات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، وزنة عند مصيبة " وفي الصحيحين عن أبي موسى أنه قال : " أنا برئ ممن برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة ، والحالقة والشاقة ( 3 ) " . وروى أحمد عن أنس قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء حين بايعهن ، أن لا ينحن ، فقلن : يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية . افنسعدهن في الاسلام ؟ فقال : " لا إسعاد ( 4 ) في الاسلام " . الاحداد على الميت يجوز للمرأة أن تحد ( 5 ) على قريبها الميت ثلاثة أيام ما لم يمنعها زوجها ، ويحرم عليها أن تحد عليه فوق ذلك ، إلا إذا كان الميت زوجها ، فيجب عليها أن تحد عليه مدة العدة . وهي أربعة أشهر وعشر . لما رواه الجماعة إلا الترمذي عن أم عطية ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لاتحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا . ولا تلبس ثوبا مصبوغا ، إلا ثوب عصب ( 6 ) ، ولا تكتحل ، ولا تمس طيبا ، ولا تختضب ، ولا تمتشط ( هامش ) ( 1 ) الفخر في الاحساب : التعاظم بمناقب الآباء . " الطعن في الانساب " نسبة الرجل المرء لغير أبيه . " الاستسقاء بالنجوم " : اعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر . ( 2 ) السربال : القميص . والجرب : تقرح الجلد ، والقطران : يقوي شعلة النار ، فيكون عذاب النائحة بالنار بسبب هذين القميصين أشد عذاب . ( 3 ) الصالقة : التي ترفع صوتها بالندب والنياحة - الحالقة : التي تحلق رأسها عند المصيبة - الشاقة : أي التي تشق . ( 4 ) الاسعاد : المساعدة في النياحة . ( 5 ) تحد : من باب نصر وضرب . ( 6 ) عصب : برود يمانية . ( . ) / صفحة 508 / إلا إذا ظهرت ، تمس نبذة من قسط ، أو اظفار ( 1 ) " . والاحداد ترك ما تتزين به المرأة من الحلي والكحل والحرير والطيب والخضاب . وإنما وجب على الزوجة ذلك مدة العدة ، من أجل الوفاء للزوج ، ومراعاة لحقه . استحباب صنع الطعام لاهل الميت عن عبد الله بن جعفر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن صحيح . واستحب الشارع هذا العمل ، لانه من البر والتقرب إلى الاهل والجيران . قال الشافعي : وأحب لقرابة الميت أن يعملوا لاهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما يشبعهم ، فإنه سنة وفعل أهل الخير . واستحب العلماء الالحاح عليهم ليأكلوا ، لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع . وقالوا : لا يجوز اتخاذ الطعام للنساء إذا كن ينحن لانه إعانة لهن على معصية . واتفق الائمة على كراهة صنع أهل الميت طعاما للناس يجتمعون عليه ، لما في ذلك من زيادة المصيبة عليهم وشغلا لهم إلى شغلهم وتشبها بصنع أهل الجاهلية لحديث جرير قال : كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت ، وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة . وذهب بعض العلماء إلى التحريم . قال ابن قدامه : فإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز ، فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والاماكن البعيدة . ويبيت عندهم ، ولا يمكنهم إلا أن يضيفوه " . ( هامش ) ( 1 ) القسط والاظفار : نوعان من العود الذي يتطيب به . و " النبذة " القطعة : أي يجوز لها وضع الطيب عند الغسل من الحيض لازالة الرائحة الكريهة . ( . ) / صفحة 509 / جواز اعداد الكفن والقبر قبل الموت قال البخاري : باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه ، وروى عن سهل رضي الله عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة ، فيها حاشيتها ( 1 ) أتدرون ما البردة ( 2 ) ؟ قالوا : الشملة . قال : نعم . قالت : نسجتها بيدي ، فجئت لاكسوها ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا ، وإنها إزارة ، فحسنها فلان فقال : اكسنيها . ما أحسنها . قال القوم : ما أحسنت ، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ، ثم سألته ، وعلمت أنه لايرد ، قال : إني والله ما سألته لالبسها ، إنما سألته لتكون كفني ، قال سهل فكانت كفنه . قال الحافظ معلقا على الترجمة : وإنما قيد " أي البخاري " الترجمة بذلك . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 509 : أي بقوله : " فلم ينكر ليشير إلى أن الانكار وقع من الصحابة ، كان على الصحابي في طلب البردة ، فلما أخبرهم بعذره لم ينكروا ذلك عليه ، فيستفاد منه جواز تحصيل ما لابد منه للميت من كفن ونحوه في حال حياته ، وهل يلتحق بذلك حفر القبر ؟ ثم قال : قال ابن بطال : فيه جواز إعداد الشئ قبل وقت الحاجة إليه . قال : وقد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت ، وتعقبه الزين بن المنير : بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة ، قال : ولو كان مستحبا لكثر فيهم . وقال العيني : لا يلزم من عدم وقوعه من أحد من الصحابة عدم جوازه . لان ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، ولاسيما إذا فعله قوم من العلماء الاخيار . قال أحمد : لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ، ويوصي أن يدفن فيه . وروي عن عثمان وعائشة وعمر بن عبد العزيز رضيا لله عنهم أنهم فعلوا ذلك . ( هامش ) ( 1 ) حاشيتا الثوب : ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب . ( 2 ) مقول سهل . ( . ) / صفحة 510 / استحباب طلب الموت في أحد الحرمين يستحب طلب الموت في أحد الحرمين : الحرم المكي ، والحرم المدني ، لما رواه البخاري عن حفصة رضي الله عنها أن عمر رضي الله عنه قال : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم . فقلت : أنى هذا ؟ فقال : يأتيني به الله إن شاء الله . وروى الطبراني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من مات في أحد الحرمين بعث آمنا يوم القيامة " وفيه موسى بن عبد الرحمن ، ذكره ابن حبان في الثقات وعبد الله ابن المؤمل ضعفه أحمد ووثقه ابن حبان . موت الفجأة ( 1 ) روى أبو داود عن عبيد بن خالد السلمي - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال مرة : عن عبيد . قال : " موت الفجأة أخذة آسف ( 2 ) " . وقد روي هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبي هريرة وعائشة ، وفي كل منها مقال . وقال الازدي : ولهذا الحديث طرق ، وليس فيها صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحديث عبيد هذا الذي أخرجه أبوداود ، رجال إسناده ثقات . والوقف فيه لا يؤثر ، فإن مثله لا يؤخذ بالرأي ، فكيف وقد أسنده الراوي مرة . ثواب من مات له ولد 1 - روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مامن الناس من مسلم يتوفى له ثلاثة لم يبلغوا الحنث ( 3 ) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم " . ( هامش ) ( 1 ) أي الموت بغتة . ( 2 ) آسف : غضبان وإنما كان موت الفجأة يكرهه الناس لانه يفوت ثواب المرض الذي يكفر الذنوب والاستعداد بالتوبة والعمل الصالح . ( 3 ) الحنث : الاثم : أي لم يبلغوا سن التكليف فيكتب عليهم الاثم . ( . ) / صفحة 511 / 2 - وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النساء قلن للنبي صلى الله عليه وسلم : اجعل لنا يوما . فوعظهن وقال : " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابا من النار " ، قالت امرأة : واثنان قال : " واثنان " . أعمار هذه الامة روى الترمذي عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ( 1 ) وأقلهم من يجوز ( 2 ) ذلك " . الموت راحة روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة ، فقال : " مستريح ومستراح منه ( 3 ) " ، فقالوا : يا رسول الله ، ما المستريح وما المستراح منه ؟ فقال : " العبد المؤمن يستريح من نصب ( 4 ) الدنيا ، والعبد الفاجر يستريح منه العباد ( 5 ) والبلاد والشجر والدواب " . تجهيز الميت يجب تجهيز الميت فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ، وتفصيل ذلك فيما يلي : غسل الميت يرى جمهور العلماء أن غسل الميت المسلم فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن جميع المكلفين ، لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، ولمحافظة المسلمين عليه . ( هامش ) ( 1 ) السبعين : أي السبعين سنة . ( 2 ) يجوز : أي يتجاوز . ( 3 ) أي هذا البيت إما مستريح وإما مستراح منه . ( 4 ) نصب الدنيا : تعبها . ( 5 ) من أذاه . ( . ) / صفحة 512 / ( 2 ) من يجب غسله ومن لا يجب : يجب غسل الميت المسلم الذي لم يقتل في معركة بأيدي الكفار . ( 3 ) غسل بعض الميت : واختلف الفقهاء في غسل بعض الميت المسلم . فذهب الشافعي وأحمد وابن حزم إلى أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه ، وقال الشافعي : بلغنا أن طائرا ألقى يدا بمكة في وقعة الجمل ( 1 ) ، فعرفوها بالخاتم ، فغسلوها وصلوا عليها ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة . وقال أحمد : صلى أبو أيوب على رجل ، وصلى عمر على عظام . وقال ابن حزم : ويصلى على ما وجد من الميت المسلم ، ويغسل ويكفن إلا أن يكون من شهيد . قال : وينوى بالصلاة على ما وجد منه ، الصلاة على جميعه : جسده وروحه . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 512 : وقال أبو حنيفة ومالك : إن وجد أكثر من نصفه غسل وصلي عليه ، وإلا فلا غسل ولا صلاة . ( 4 ) الشهيد لا يغسل : الشهيد الذي قتل بأيدي الكفرة في المعركة لا يغسل ولو كان جنبا ( 2 ) ، ويكفن في ثيابه الصالحة للكفن ، ويكمل ما نقص منها ، وينقص منها ما زاد على كفن السنة ، ويدفن في دمائه ، ولا يغسل شئ منها . روى أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تغسلوهم فإن كل جرح ، أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة " ، وأمر صلوات الله وسلامه عليه بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم . قال الشافعي : لعل ترك الغسل والصلاة لان يلقوا الله بكلومهم ( 3 ) لما جاء أن ريح دمهم ريح المسك ، واستغنوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم ، مع التخفيف على من بقي من المسلمين ، لما يكون فيمن قاتل من جراحات وخوف ( هامش ) ( 1 ) كانت عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد . ( 2 ) الشهيد الجنب : لا يغسل عند المالكية والاصح من مذهب الشافعية . ورأي محمد وأبي يوسف ، ويشهد لهذا ، أن حنظلة استشهد جنبا فلم يغسله النبي صلى الله عليه وسلم . ( 3 ) " كلومهم " جروحهم . ( . ) / صفحة 513 / عبودة العدو ، رجاء طلبهم وهمهم بأهلهم ، وهم أهلهم بهم . وقيل : الحكمة في ترك الصلاة عليهم : أن الصلاة على الميت ، والشهيد حي ، أو أن الصلاة شفاعة ، والشهداء في غنى عنها لانهم يشفعون لغيرهم . ( 5 ) الشهداء الذين يغسلون ويصلى عليهم : أما القتلى الذين لم يقتلوا في المعركة بأيدي الكفار ، فقد أطلق الشارع عليهم لفظ الشهداء ، وهؤلاء يغسلون ، ويصلى عليهم ، فقد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات منهم في حياته . وغسل المسلمون بعده عمر وعثمان وعليا ، وهم جميعا شهداء ، ونحن نذكر هؤلاء الشهداء فيما يلي : 1 - عن جابر بن عتيك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله : المطعون ( 1 ) شهيد ، والغرق ( 2 ) شهيد ، وصاحب ذات الجنب ( 3 ) شهيد ، والمبطون ( 4 ) شهيد ، وصاحب الحرق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمع ( 5 ) شهيدة " . رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح . 2 - وعن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما تعدون الشهيد فيكم ؟ " قالوا : يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد . قال : " إن شهداء أمتي إذا لقليل " ، قالوا : فمن هم يا رسول الله ؟ قال : " من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، ومن مات في سبيل الله ( 6 ) فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات في البطن فهو شهيد ، والغريق شهيد " . رواه مسلم . 3 - وعن سعيد بن زيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد " . رواه أحمد والترمذي وصححه . ( هامش ) ( 1 ) المطعون : من مات بالطاعون ( 2 ) الغرق : الغريق . ( 3 ) ذات الجنب : القروح تصيب الانسان داخل جنبه وتنشأ عنها الحمى والسعال . ( 4 ) المبطون : من مات بموت البطن . ( 5 ) بجمع : أي التي تموت عند الولادة ( 6 ) في سبيل الله : أي في طاعة الله . ( . ) / صفحة 514 / ( 6 ) الكافر لا يغسل : ولا يجب على المسلم أن يغسل الكافر ، وجوزه بعضهم . وعند المالكية والحنابلة : أنه ليس للمسلم أن يغسل قريبه الكافر ولا يكفنه ، ولا يدفنه ، إلا أن يخاف عليه الضياع فيجب عليه أن يواريه ، لما رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي ، أن عليا رضي الله عنه قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : إن عمك الشيخ الضال قد مات . قال : " اذهب فوار أباك ، ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " . قال : فذهبت ، فواريته ، وجئته ، فأمرني فاغتسلت فدعا لي . قال ابن المنذر : ليس في غسل الميت سنة تتبع . صفة الغسل الواجب في غسل الميت أن يعمم بدنه بالماء مرة واحدة ولو كان جنبا أو حائضا ، والمستحب في ذلك أن يوضع الميت فوق مكان مرتفع ويجرد من ثيابه ( 1 ) ويوضع عليه ساتر يستر عورته ما لم يكن صبيا ، ولا يحضر عند غسله إلا من تدعوا الحاجة إلى حضوره . وينبغي أن يكون الغاسل ثقة أمينا صالحا ، لينشر ما يراه من الخير ، ويستر ما يظهر له من الشر . فعند ابن ماجه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليغسل موتاكم المأمونون " . وتجب النية عليه ، لانه هو المخاطب بالغسل ، ثم يبدأ فيعصر بطن الميت عصرا رفيقا ، لاخراج ما عسى أن يكون بها ، ويزيل ما على بدنه من نجاسة ، على أن يلف على يده خرقة يمسح بها عورته فإن لمس العورة حرام ، ثم يوضئه وضوء الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " ولتجديد سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل ، ثم يغسله ثلاثا بالماء والصابون ، أو الماء القراح ، مبتدئا باليمين ، فإن رأى الزيادة على الثلاث بعدم ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 514 : حصول الانقاء بها أولشئ آخر غسله خمسا ، أو سبعا ، ففي الصحيح : ( هامش ) ( 1 ) رأى الشافعي أن يغسل في قميصه أفضل إذا كان رقيقا لايمنع وصول الماء إلى البدن لان النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه . والاظهر أن هذا خاص به صلوات الله وسلامه عليه فان تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورا . ( . ) / صفحة 515 / أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اغسلنها وترا : ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ( 1 ) " . قال ابن المنذر : إنما فرض الرأي اليهن بالشرط المذكور وهو الايثار ، فإذا كان الميت امرأة ندب نقض شعرها وغسل وأعيد تضفيره وأرسل خلفها ، ففي حديث أم عطية : أنهن جعلن رأس ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون . قلت : نقضنه وجعلنه ثلاثة قرون ( 2 ) قالت : نعم . وعند مسلم : فضفرنا شعرها ثلاثة قرون : قرنيها وناصيتها . وفي صحيح ابن حبان الامر بتضفيرها من قوله صلى الله عليه وسلم : " واجعلن لها ثلاثة قرون " . فإذا فرغ من غسل الميت جفف بدنه بثوب نظيف ، لئلا تبتل أكفانه ، ووضع عليه الطيب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أجمرتم ( 3 ) الميت فأوتروا " . رواه البيهقي والحاكم وابن حبان وصححاه . وقال أبو وائل : كان عند علي رضي الله عنه مسك ، فأوصى أن يحنط به ، وقال : هو فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم . وجمهور العلماء على كراهة تقليم أظفار الميت وأخذ شئ من شعر شاربه ، أو إبطه أو عانته ، وجوز لك ابن حزم . واتفقوا فيما إذا خرج من بطنه حدث بعد الغسل وقبل التكفين ، على أنه يجب غسل ما أصابه من نجاسة ، واختلفوا في إعادة طهارته فقيل : لا يجب ( 4 ) . وقيل : يجب الوضوء . وقيل : يجب إعادة الغسل . والاصل الذي بنى عليه العلماء أكثر اجتهادهم في كيفية الغسل ما رواه الجماعة عن أم عطية ، قالت : " دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال : اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ، أو أكثر من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر واجعلن في الاخيرة كافورا ، أو شيئا من كافور ، فإذا ( هامش ) ( 1 ) قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع ، وكره المجاوزة أحمد وابن المنذر . ( 2 ) قرون : أي ضفائر . ( 3 ) أجمرتم : بخرتم . ( 4 ) هذا مذهب الاحناف والشافعية ومالك . ( . ) / صفحة 516 / فرغتن فآذنني ( 1 ) " فلما فرغن آذناه ، فأعطانا حقوه فقال : " أشعرنها ( 2 ) إياه " . يعني إزاره . وحكمة وضع الكافور ما ذكره العلماء من كونه طيب الرائحة ، وذلك وقت تحضر فيه الملائكة . وفيه أيضا تبريد ، وقوة نفود ، وخاصة في تصلب بدن الميت ، وطرد الهوام عنه ومنع إسراع الفساد إليه ، وإذا عدم قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها . التيمم للميت عند العجز عن الماء ان عدم الماء يمم الميت ، لقوله تعالى : ( فإن لم تجدوا ماء فتيمموا ) ، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " . وكذلك لو كان الجسم بحيث لو غسل لتهرى . وكذلك المرأة تموت بين الرجال الاجانب عنها ، والرجل يموت بين النساء الاجنبيات عنه . روى أبو داود في مراسيله والبيهقي عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا ماتت المرأة مع الرجال ، ليس معهم امرأة غيرها ، والرجل مع النساء ، ليس معهن رجل غيره ، فإنهما ييممان ويدفنان ، وهما بمنزلة من لم يجد الماء " . وييمم المرأة ذو رحم محرم منها بيده ، فإن لم يوجد يممها أجنبي بخرقة يلفها على يده . هذا مذهب أبي حنيفة وأحمد ، وعند مالك والشافعي : إن كان بين الرجال ذو رحم محرم منها غسلها ، لانها كالرجل بالنسبة إليه في العورة والخلوة . قال في المروي عن الامام مالك : إنه سمع أهل العلم يقولون : إذا ماتت المرأة وليس معها نساء يغسلنها ولا من ذوي المحرم أحد يلي ذلك منها ، ولا زوج يلي ذلك ، يممت ، يمسح بوجهها وكفيها من الصعيد . ( هامش ) ( 1 ) آذنني : أي أخبرنني . ( 2 ) أشعرنها : اجعلنه شعارا " والشعار " الثوب الذي يلي الجسد . " والحقو " الازار . وهوفي الاصل : معقد الازار . ( . ) / صفحة 517 / قال : وإذا هلك الرجل ، وليس معه أحد إلا نساء يممنه أيضا ( 1 ) . غسل أحد الزوجين الآخر اتفق الفقهاء على جواز غسل المرأة زوجها ، قالت عائشة : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه . رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه . واختلفوا في جواز غسل الزوج امرأته فأجازه الجمهور . لما روي من غسل علي فاطمة رضي الله عنها . رواه الدارقطني والبيهقي ، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك " . رواه ابن ماجه . وقال الاحناف : لا يجوز للزوج غسل زوجته ، فإن لم يكن إلا الزوج يممها ، والاحاديث حجة عليهم . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 517 : غسل المرأة الصبي قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير . الكفن ( 1 ) حكمه : تكفين الميت بما يستره ولو كان ثوبا واحدا فرض كفاية . روى البخاري عن خباب رضي الله عنه قال : هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نلتمس وجه الله ، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير ، قتل يوم أحد ، فلم نجد ما نكفنه إلابردة ، إذا ( هامش ) ( 1 ) يرى ابن حزم أنه إذا مات رجل بين نساء لارجل معهن ، أو امرأة بين رجال لا نساء معهم غسل النساء الرجل وغسل الرجال المرأة على ثوب كثيف . يصب الاء على جميع الجسد دون مباشرة اليد ، ولا يجوز أن يعوض التيمم عن الغسل عند فقد الماء . ( . ) / صفحة 518 / غطينا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه ، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الاذخر ( 1 ) . ( 2 ) ما يستحب فيه : يستحب في الكفن ما يأتي : 1 - أن يكون حسنا ، نظيفا ، ساترا للبدن . لما رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه " . 2 - وأن يكون أبيض ، لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " البسوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم " . 3 - وأن يجمر ، ويبخر ، ويطيب ، لما رواه أحمد والحاكم وصححه عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا " . وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم : أن تجمر أكفانهم بالعود . 4 - أن يكون ثلاث لفائف للرجل ، وخمس لفائف للمرأة ، لما رواه الجماعة عن عائشة ، قالت : كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد ليس فيها قميص ولاعمامة . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم . قال : وقال سفيان الثوري : يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ، إن شئت في قميص ولفافتين ، وإن شئت في ثلاث لفائف . ويجزئ ثوب واحد إن لم يجدوا ثوبين . والثوبان يجزيان ، والثلاثة لمن وجد أحب إليهم ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق . وقالوا : تكفن المرأة في خمسة أثواب . ( هامش ) ( 1 ) الاذخر : حشيشة طيبة الرائحة ، تسقف بها البيوت فوق الخشب . ( . ) / صفحة 519 / وعن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم ناولها إزارا ، ودرعا ( 1 ) ، وخمارا ( 2 ) وثوبين ( 3 ) . وقال ابن المنذر : أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب . ( 3 ) تكفين المحرم : إذا مات المحرم غسل كما يغسل غيره ممن ليس محرما وكفن في ثياب إحرامه ، ولا تغطى رأسه ولا يطيب لبقاء حكم الاحرام ، لما رواه الجماعة عن ابن عباس قال : بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفه إذ وقع عن راحلته فوقصته ( 4 ) فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبيه ( 5 ) ، ولا تحنطوه ( 6 ) ولا تخمروا ( 7 ) رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا " . وذهبت الحنفية والمالكية إلى أن المحرم إذا مات انقطع إحرامه ، وبانقطاع إحرامه يكفن كالحلال ، فيخاط كفنه ويغطى رأسه ويطيب . وقالوا : إن قصة هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها فتختص به ، ولكن التعليل بأنه يبعث يوم القيامة ملبيا ظاهر أن هذا عام في كل محرم . والاصل أن ما ثبت لاحد الافراد من الاحكام يثبت لغيره ، ما لم يقم دليل على التخصيص . ( 4 ) كراهة المغالاة في الكفن : ينبغي أن يكون الكفن حسنا دون مغالاة في ثمنه ، أو أن يتكلف الانسان في ذلك ما ليس من عادته . قال الشافعي : إن عليا كرم الله وجهه قال : لاتغال لي في كفن ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لاتغالوا في الكفن فإنه يسلب ( هامش ) ( 1 ) الدرع : القميص . ( 2 ) الخمار : غطاء الرأس . ( 3 ) تلف فيهما . ( 4 ) وقصته : أي دقت عنقه . ( 5 ) - في ثوبيه : إزاره ورداءه . ( 6 ) تحنطوه : تطيبوه بالحنوط : وهو الطيب الذي يوضع الميت . ( 7 ) تخمروه : تستروه . ( . ) / صفحة 520 / سلبا سريعا " . رواه أبو داود وفي إسناده أبو مالك ، وفيه مقال : وعن حذيفة ، قال : لاتغالوا في الكفن ، اشتروا لي ثوبين نقيين . وقال أبو بكر : اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهم . قالت عائشة : إن هذا خلق ( 1 ) . قال : إن الحي أولى بالجديد من الميت . إنما هو للمهلة ( 2 ) . ( 5 ) الكفن من الحرير : لا يحل للرجل أن يكفن في الحرير ويحل للمرأة ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرير والذهب : " إنهما حرام على ذكور ، أمتي حل لاناثها " . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 520 : وكره كثير من أهل العلم للمرأة أن تكفن في الحرير لما فيه من السرف ، وإضاعة المال ، والمغالاة المنهي عنها ، وفرقوا بين كونه زينة لها في حياتها ، وكونه كفنا لها بعد موتها . قال أحمد : لا يعجبني أن تكفن المرأة في شئ من الحرير . وكره ذلك الحسن وابن المبارك وإسحق . قال ابن المنذر : ولا أحفظ عن غيرهم خلافهم . ( 6 ) الكفن من رأس المال : إذا مات الميت وترك مالا ، فتكفينه من ماله ، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته ، فإن لم يكن له من ينفق عليه ، فكفنه من بيت مال المسلمين ، وإلا فعلى المسلمين أنفسهم . والمرأة مثل الرجل في ذلك . وقال ابن حزم : وكفن المرأة وحفر قبرها من رأس مالها ، ولا يلزم ذلك زوجها ، لان أموال المسلمين محظورة إلا بنص قرآن أو سنة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام " ، وإنما أوجب الله تعالى على الزوج النفقة والكسوة والاسكان ، ولا يسمى في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها الكفن كسوة ، ولا القبر إسكانا . ( هامش ) ( 1 ) الخلق : غير الجديد . ( 2 ) " المهلة " القيح السائل من الميت . ( . ) / صفحة 521 / الصلاة على الميت ( 1 ) حكمها : من المتفق عليه بين أئمة الفقه ، أن الصلاة على الميت ، فرض كفاية ، لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، ولمحافظة المسلمين عليها . روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل هل ترك لدينه فضلا ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى ، وإلا ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 521 : ، قال للمسلمين : " صلوا على صاحبكم " . ( 2 ) فضلها : 1 - روى الجماعة عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من تبع جنازة وصلى عليها ، فله قيراط ( 1 ) . ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان ، أصغرهما مثل أحد " أو ( 2 ) " أحدهما مثل أحد " . 2 - وروى مسلم عن خباب رضي الله عنه ، قال : يا عبد الله بن عمر ، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة ؟ إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر ، كل قيراط مثل أحد . ومن صلى عليها ثم رجع ( 3 ) كان له مثل أحد . " فأرسل ابن عمر رضي الله عنهما خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت ، فقال : قالت عائشة : صدق أبو هريرة فقال ابن عمر رضي الله عنهما : لقد فرطنا في قراريط كثيرة . ( 3 ) شروطها : صلاة الجنازة يتناولها لفظ الصلاة ، فيشترط فيها الشروط التي تفر ض في سائر الصلوات المكتوبة من الطهارة الحقيقية والطهارة من الحدث الاكبر والاصغر واستقبال القبلة وستر العورة . ( هامش ) ( 1 ) القيراط 16 / 1 من الدرهم . وقيل في معناه : إن العمل يتجسم على قدر جرم الجبل المذكور تثقيلا للميزان . ( 2 ) أو : للشك . ( 3 ) في هذا دليل على أنه لا استئذان عند الانصراف من صاحب الجنازة . ( . ) / صفحة 522 / روى مالك عن نافع : أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول : لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر . وتختلف عن سائر الصلوات المفروضة ، في أنه لا يشترط فيها الوقت ، بل تؤدى في جميع الاوقات متى حضرت ، ولو في أوقات النهي ( 1 ) . عند الاحناف والشافعية . وكره أحمد وابن المبارك وإسحاق الصلاة على الجنازة وقت الطلوع والاستواء والغروب ، إلا إن خيف عليها التغير . ( 4 ) أركانها : صلاة الجنازة لها أركان تتركب منها حقيقتها ولو ترك منها ركن بطلت ووقعت غير معتد بها شرعا ، نذكرها فيما يلي : 1 - النية لقول الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الاعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " . وتقدم حقيقة النية وأن محلها القلب وأن التلفظ بها غير مشروع . 2 - القيام للقادر عليه : وهو ركن عند جمهور العلماء ، فلا تصح الصلاة على الميت لمن صلى عليه راكبا أو قاعدا من غير عذر . قال في المغني : لا يجوز أن يصلي على الجنائز وهو راكب لانه يفوت القيام الواجب ، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأبي ثور : ولا أعلم فيه خلافا ، ويستحب أن يقبض بيمينه على شماله أثناء القيام كما يفعل في الصلاة ، وقيل : لا . والاول أولى . 3 - التكبيرات الاربع . لما رواه البخاري ومسلم عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر أربعا . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات ، وهو قول سفيان ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق . رفع اليدين عند التكبير : والسنة عدم رفع اليدين في صلاة الجنازة ، إلا في أول تكبيرة فقط ، لانه ( هامش ) ( 1 ) يراجع " فقه السنة " بصدد " أوقات النهي " . ( . ) / صفحة 523 / لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع في شئ من تكبيرات الجنازة إلا في أول تكبيرة فقط . قال الشوكاني : بعد ذكر الخلاف ومناقشة أدلة كل : والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الاولى شئ يصلح للاحتجاج به عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأفعال الصحابة وأقوالهم لاحجة فيها ، فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الاحرام لانه لم يشرع في غيرها ، إلا عند الانتقال من ركن إلى ركن كما في سائر الصلوات ، ولا انتقال في صلاة الجنازة . 4 و 5 - قراءة الفاتحة سرا والصلاة والسلام على الرسول ( 1 ) ، لما رواه الشافعي في مسنده عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام ، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى سرا في نفسه ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويخلص الدعاء في الجنازة في التكبيرات ، ولا يقرأ في شئ منهن ، ثم يسلم سرا في نفسه ( 2 ) . قال في الفتح : وإسناده صحيح . وروى البخاري عن طلحة بن عبد الله قال : صليت مع ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب ، فقال : إنها من السنة . ورواه الترمذي وقال : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم يختارون أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الاولى . وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق . وقال بعضهم : لايقرأ في الصلاة على الجنازة ، إنما هو الثناء على الله تعالى ، والصلاة على نبيه صلى ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 523 : الله عليه وسلم ، والدعاء للميت ، وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة . ومن حجج القائلين بفرضية القراءة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماها صلاة بقوله : " صلوا على صاحبكم " ، وقال : " لاصلاة لمن لايقرأ بأم القرآن " . صيغة الصلاة والسلام على رسول الله وموضعها : وتؤدى الصلاة والسلام على رسول الله بأي صيغة ، ولو قال اللهم صل ( هامش ) ( 1 ) مذهب أبي حنيفة ومالك أنها لها ركنين وسيأتي كلام الترمذي في ذلك . ( 2 ) رأي الجمهور أن القراءة والصلاة على النبي والدعاء والسلام يسن الاسرار بها إلا بالنسبة للامام فانه يسن له الجهر بالتكبير والتسليم للاعلام . ( . ) / صفحة 524 / على محمد ، لكفى . واتباع المأثور أفضل مثل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كمال باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . ويؤتى بها بعد التكبيرة الثانية كما هو الظاهر ، وإن لم يرد ما يدل على تعيين موضعها . 6 - الدعاء : وهو ركن باتفاق الفقهاء ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " . رواه أبو داود والبيهقي وابن حبان وصححه . ويتحقق بأي دعاء مهما قل ، والمستحب فيه أن يدعو بأية دعوة من الدعوات المأثورة الآتية : 1 - قال أبو هريرة : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الجنازة فقال : " اللهم أنت ربها ، وأنت خلقتها ، وأنت رزقتها ، وأنت هديتها للاسلام ، وأنت قبضت روحها ، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها ، جئنا شفعاء له ، فاغفر له ذنبه " . 2 - وعن وائلة بن الاسقع قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين فسمعته يقول : " اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك ، وحبل ( 1 ) جوارك . فقه من فتنة القبر وعذاب النار ، وأنت أهل الوفاء والحق . اللهم فاغفر له وارحمه فإنك أنت الغفور الرحيم " . رواهما أحمد وأبو داود . 3 - عن عوف بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وقد صلى على جنازة - يقول : " اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بماء وثلج وبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس ، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه ، وقه فتنة القبر وعذاب النار " . رواه مسلم . 4 - عن أبي هريرة قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة ( هامش ) ( 1 ) الذمة : الحفظ ، والحبل : العهد . ( . ) / صفحة 525 / فقال : " اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الايمان ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تضلنا بعده " . رواه أحمد وأصحاب السنن . فإذا كان المصلى عليه طفلا استحب أن يقول المصلي : اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وذخرا . رواه البخاري والبيهقي من كلام الحسن . قال النووي : وإن كان صبيا أو صبية اقتصر على ما في حديث : " اللهم اغفر لحينا وميتنا . . الخ " ، وضم اليه : " اللهم اجعله فرطا لابويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفيعا وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ، ولاتحرمهما أجره " . موضع هذه الادعية : قال الشوكاني : وأعلم أنه لم يرد تعيين موضع هذه الادعية فإذا شاء المصلي جاء بما يختار منها دفعة ، إما بعد فراغه من التكبير أو بعد التكبيرة الاولى أو الثانية أو الثالثة ، أو يفرقه بين كل تكبيرتين ، أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الادعية ، ليكون مؤديا لجميع ما روي عنه صلى الله عليه وسلم . قال : والظاهر أنه يدعو بهذه الالفاظ الواردة في هذه الاحاديث ، سواء كان الميت ذكرا ، أو أنثى ، ولا يحول الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث ، إذا كان الميت أنثى ، لان مرجعها الميت ، وهو يقال عن الذكر والانثى . ( 7 ) الدعاء بعد التكبيرة الرابعة : يستحب الدعاء بعد التكبيرة الرابعة ، وإن كان المصلي دعا بعد التكبيرة الثالثة ، لما رواه أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى أنه ماتت له ابنة فكبر عليها أربعا ، ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو . ثم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في الجنازة هكذا . وقال الشافعي : يقول بعدها : اللهم لا تحرمنا أجره ، ولاتفتنا بعده . وقال ابن أبي هريرة : كان المتقدمون يقولون بعد الرابعة : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . / صفحة 526 / ( 8 ) السلام : وهو متفق على فرضيته بين الفقهاء ما عدا أبا حنيفة القائل بأن التسليمتين يمينا وشمالا واجبتان وليستا ركنين ، استدلوا على الفرضية بأن صلاة الجنازة صلاة ، وتحليل الصلاة التسليم . وقال ابن مسعود : التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة . ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 526 : وأقله : السلام عليكم ، أو سلام عليكم . وذهب أحمد إلى أن التسليمة الواحدة هي السنة ، يسلمها عن يمينه ، ولا بأس إن سلم تلقاء وجهه ، استدلالا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبفعل الاصحاب الذين كانون يسلمون تسليمة واحدة ، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم . واستحب الشافعي تسليمتين ، يبدأ بالاولى ملتفتا إلى يمينه ويختم بالاخرى ملتفتا إلى يساره ، قال ابن حزم : والتسليمة الثانية ذكر وفعل خير . كيفية الصلاة على الجنازة أن يقف المصلي بعد استكمال شروط الصلاة ناويا الصلاة على من حضر من الموتى رافعا يديه مع تكبيرة الاحرام ، ثم يضع يده اليمنى على اليسرى ويشرع في قراءة الفاتحة ، ثم يكبر و يصلي على النبي ، ثم يكبر ويدعو للميت ، ثم يكبر ويدعو ، ثم يسلم . موقف الامام من الرجل والمرأة من السنة أن يقوم الامام حذاء رأس الرجل ، ووسط المرأة لحديث أنس ، أنه صلى على جنازة رجل ، فقام عند رأسه فلما رفعت ، أتي بجنازة امرأة ، فصلى عليها فقام وسطها ( 1 ) ، فسئل عن ذلك وقيل له : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت ، ومن المرأة حيث قمت ؟ قال : نعم . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه . قال الطحاوي وهذا أحب إلينا فقد قوته الآثار التي رويناها عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( هامش ) ( 1 ) روي أنه كان يقوم عند عجيزتها ولا منافاة بين الروايتين لان العجيزة يصدق عليه أنها وسط . ( . ) / صفحة 527 / الصلاة على أكثر من واحد إذا اجتمع أكثر من ميت وكانوا ذكورا أو إناثا صفوا واحدا بعد واحد بين الامام والقبلة ليكونوا جميعا بين يدي الامام ووضع الافضل مما يلي الامام ، وصلى عليهم جميعا صلاة واحدة . وإن كانوا رجالا ونساء جاز أن يصلي على الرجال وحدهم والنساء وحدهن ، وجاز أن يصلي عليهم جميعا ، وصفت الرجال أمام الامام ، وجعلت النساء مما يلي القبلة . وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الامام ، وجعل النساء مما يلي القبلة ، وصفهم صفا واحدا . ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر ، وابن لها - يقال له زيد - والامام يومئذ سعيد بن العاص ، وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة . فوضع الغلام مما يلي الامام قال رجل : فأنكرت ذلك ، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة ، وأبي سعيد وأبي قتادة . فقلت : ما هذا ؟ . قالوا : هي السنة . رواه النسائي والبيهقي . قال الحافظ : وإسناده صحيح . وفي الحديث : أن الصبي إذا صلي عليه مع امرأة كان الصبي مما يلي الامام ، والمرأة مما يلي القبلة . وإن كان فيه رجال ونساء وصبيان كان الصبيان مما يلي الرجال . استحباب الصفوف الثلاثة وتسويتها يستحب أن يصف المصلون على الجنازة ثلاثة صفوف ( 1 ) وأن تكون مستوية ، لما رواه مالك بن هبيرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له " فكان مالك ابن هبيرة يتحرى إذا قل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه . ( هامش ) ( 1 ) أقل صف اثنان . ( . ) / صفحة 528 / قال أحمد : أحب إذا كان فيهم قلة أن يجعلهم ثلاثة صفوف . قالوا : فإن كان وراءه أربعة كيف يجعلهم ؟ قال : يجعلهم صفين ، في كل صف رجلين ، وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون في صف رجل واحد . استحباب الجمع الكثير ويستحب تكثير جماعة الجنازة لما جاء عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة . كلهم يشفعون ( 1 ) له إلا شفعوا " ( 2 ) رواه أحمد ومسلم والترمذي . وعن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا ، لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه . " رواه أحمد ومسلم وأبو داود . المسبوق في صلاة الجنازة من سبق في صلاة الجنازة بشئ من التكبير استحب له أن يقضيه متتابعا فإن لم يقض فلا بأس . وقال ابن عمر والحسن وأيوب السختياني والاوزاعي : لا يقضي ما فات من تكبير الجنازة ، ويسلم مع الامام . وقال أحمد : إذا لم يقض لم يبال . ورجح صاحب المغني هذا المذهب فقال : ولنا قول ابن عمر ، ولم يعرف له في الصحابة مخالف . وقد روي عن عائشة أنها قالت : " يا رسول الله إني أصلي على الجنازة ويخفى علي بعض التكبير . قال : " ما سمعت فكبري ، وما فاتك فلا قضاء عليك " وهذا صريح . ولانها تكبيرات متواليات فلا يجب ما فاته منها كتكبيرات العيدين . من يصلى عليهم ومن لا يصلى عليهم اتفق الفقهاء على أن يصلى على المسلم ذكرا كان أم أنثى ، صغيرا كان أم كبيرا قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته ............................................................ - فقه السنة - الشيخ سيد سابق ج 1 ص 528 : ( هامش ) ( 1 ) يخلصون له الدعاء ويسألون له المغفرة . ( 2 ) قبلت شفاعتهم . ( . ) / صفحة 529 / واستهل يصل عليه ( 1 ) . فعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الراكب خلف الجنازة ، والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها ، والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة " رواه أحمد وأبو داود . وقال فيه : " والماشي يمشي خلفها وأمامها ، وعن يمينها ويسارها قريبا منها . " وفي رواية : " الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها ، والطفل يصلى عليه " رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه . الصلاة على السقط ( 2 ) السقط إذا لم يأت عليه أربعة أشهر فإنه لا يغسل . ولا يصلى عليه ، ويلف في خرقة ، ويدفن من غير خلاف بين جمهور الفقهاء . فإن أتى عليه أربعة أشهر فصاعدا واستهل غسل وصلي عليه باتفاق . فإذا لم يستهل فإنه لا يصلى عليه عند الاحناف ومالك والاوزاعي والحسن ، لما رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه والبيهقي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا استهل السقط صلي عليه وورث " ففي الحديث اشتراط الاستهلال في الصلاة عليه . وذهب أحمد وسعيد وابن سيرين وإسحاق إلى أنه يغسل ويصلى عليه للحديث المتقدم . وفيه : " والسقط يصلى عليه " ولانه نسمة نفخ فيه الروح ، فيصلى عليه كالمستهل . فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ينفخ فيه الروح لاربعة أشهر ، وأجابوا عما استدل به الاولون بأن الحديث مضطرب . وبأنه معارض بما هو أقوى منه ، فلا يصلح للاحتجاج به . الصلاة على الشهيد الشهيد هو الذي قتل في المعركة بأيدي الكفار . وقد جاءت الاحاديث الصحيحة المصرحة بأنه لا يصلى عليه . 1 - روى البخاري عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن ( هامش ) ( 1 ) الاستهلال : الصياح أو العطاس أو حركة يعلم بها حياة الطفل . ( 2 ) السقط : الولد ينزل من بطن أمه قبل مدة الحمل وبعد تبين خلقه . ( . ) / صفحة 530 / شهداء أحد في دمائهم ، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم . 2 - وروى أحمد وأبو داود والترمذي عن أنس : أن شهداء أحد لم يغسلوا ، ودفنوا بدمائهم ، ولم يصل عليهم . وجاءت أحاديث أخرى صحيحة مصرحة بأنه يصلى عليه : 1 - روى البخاري عن عقبة بن عامر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للاحياء والاموات . 2 - وعن أبي مالك الغفاري قال : كان قتلى أحد يؤتى منهم بتسعة وعاشرهم حمزة ، فيصلي عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يحملون ، ثم يؤتى بتسعة فيصلي عليهم ، وحمزة مكانه حتى صلى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البيهقي وقال : هو أصح ما في الباب . وهو مرسل . وقد اختلفت آراء الفقهاء تبعا لاختلاف هذه الاحاديث ، فأخذ بعضهم بها جميعا ، ورجح بعضهم بعض الروايات على بعض . فممن ذهب مذهب الاخذ بها كلها " ابن حزم " فجوز الفعل والترك قال : فإن صلي عليه فحسن . وإن لم يصل عليه فحسن . وهو إحدى الروايات عن أحمد ، واستصوب هذا الرأي ابن القيم فقال : والصواب في المسألة انه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجئ الآثار بكل واحد من الامرين ، وهذه إحدى الروايات عن أحمد ، وهو الاليق بأصول مذهبه . قال : والذي يظهر من أمر شهداء أحد : أنه لم يصل عليهم عند الدفن . وقد قتل معه بأحد سبعون نفسا ، فلا يجوز أن تخفى الصلاة عليهم . وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ . فله من الخبرة ما ليس لغيره ، ويرجح أبو حنيفة والثوري والحسن وابن المسيب روايات الفعل . فقالوا بوجوب الصلاة على الشهيد . ورجح مالك والشافعي وإسحاق وإحدى الروايات عن أحمد العكس و