|
| سُورَةُ الصَّفِّ [ فِيهَا آيَتَانِ ]
الْآيَةُ الْأُولَى
قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
} . فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى
أَبُو مُوسَى فِي الصَّحِيحِ أَنَّ سُورَةً كَانَتْ عَلَى قَدْرِهَا , أَوَّلُهَا : سَبَّحَ لِلَّهِ , كَانَ فِيهَا :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
} سَتُكْتَبُ شَهَادَةٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الدِّينِ .
أَمَّا قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
} فَثَابِتٌ فِي الدِّينِ لَفْظًا وَمَعْنًى فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا تَلَوْنَاهُ آنِفًا فِيهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : [ فَتُكْتَبُ ] شَهَادَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَعْنًى ثَابِتٌ فِي الدِّينِ [ لَفْظًا وَمَعْنًى ] ; فَإِنَّ
مَنْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَزِمَهُ شَرْعًا , وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْمُلْتَزَمُ عَلَى
قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا النَّذْرُ , وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : نَذْرِ تَقَرُّبٍ مُبْتَدَأً ; كَقَوْلِهِ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ وَصَلَاةٌ وَصَدَقَةٌ , وَنَحْوُهُ مِنْ الْقُرَبِ ; فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ
إجْمَاعًا . وَنَذْرِ مُبَاحٍ ; وَهُوَ مَا عُلِّقَ بِشَرْطِ رَغْبَةٍ [ كَقَوْلِهِ : إنْ قَدِمَ غَائِبِي فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ , أَوْ عُلِّقَ بِشَرْطِ رَهْبَةٍ ] , كَقَوْلِهِ : إنْ كَفَانِي اللَّهُ شَرَّ كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ , فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ; فَقَالَ
مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ
فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ : إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ .
وَعُمُومُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لَنَا ; لِأَنَّهَا بِمُطْلَقِهَا تَتَضَمَّنُ ذَمَّ مَنْ قَالَ مَا لَا يَفْعَلُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ , مِنْ مُطْلَقٍ , أَوْ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ .
وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُهُ : إنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا الْقَصْدُ مِنْهُ الْقُرْبَةُ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبَةِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبَةِ , لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْبَةَ , وَإِنَّمَا قَصَدَ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنْ فِعْلٍ أَوْ الْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلٍ . قُلْنَا : الْقُرَبُ الشَّرْعِيَّةُ مُقْتَضَيَاتٌ وَكُلَفٌ وَإِنْ كَانَتْ قُرُبَاتٍ . وَهَذَا تَكَلَّفَ فِي الْتِزَامِ هَذِهِ الْقُرْبَةِ مَشَقَّةً لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ , فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ سُنَنِ التَّكْلِيفِ , وَلَا زَالَ عَنْ قَصْدِ التَّقَرُّبِ .
|
|